الاثنين، 5 سبتمبر 2016

إفادة الأنام، بالإجماعات المنقولة في منسك شيخ الإسلام.

إفادة الأنام، بالإجماعات المنقولة في منسك شيخ الإسلام.
﷽
الحمد لله الذي فرض الحج على عباده، وجعله منارة للتوحيد، ومخالفة لأهل الشرك والتنديد، وإكثارا من الشكر والتكبير والتحميد، والصلاة والسلام على   خير من لبى بالتوحيد، وأكثر من الشكر والتكبير والتحميد.
وعلى آله وصحبه الذين حققوا كامل الاتباع والتجريد.
أما بعد:
فإن من خير الأعمال وأجلّها: تقريب العلوم الشرعية، وجمع شتاتها، لينتفع منها طالبها.
ومن أهم ما يُجمع ويُدوَّن:
الإجماعات التي نقلها أئمة الإسلام، وذلك: لأن الإجماع ثالث الأدلة الشرعية، التي يجب العمل بها، وهو يقضي على تأويل النصوص، والاجتهاد فيها.
ومن هذا المنطلق جمعت الإجماعات التي نقلها شيخ الإسلام، وناصر سنة خير الأنام، العلامة الإمام:
أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني - رحمه الله -؛ كما في منسكه.
والإجماع إذا نقله إمام معتبر، واسع الاطلاع، طويل الباع،
فإن نقله معتبر يجب العمل به، مالم يتبين يقينا خطأ النقل.
وشيخ الإسلام من الأئمة المتبحرين في الأدلة الشرعية، المتفننين في الفنون العلمية. 
وقد نقلت هذهِ الإجماعات كما في منسكه، وقد أذكر السابق واللاحق من كلامه أو السابق فقط، أو اللاحق فقط، على حسب مايقتضيه النقل من البيان والتوضيح.
وقد أقدم للإجماع من أجل أن يُفهم الكلام، ثم أنقل نص كلام شيخ الإسلام.
وقد اقتصرت على النقول المتعلقة بالحج والعمرة وما يلحق بهما دون سواهما من الإجماعات التي نُقلت في المنسك؛ وأيضًا: لم أنقل ما صرح فيه بأنه اتفاق الأئمة الأربعة ونحو ذلك.
ومما يميز هذه الإجماعات التي في منسك شيخ الإسلام  أنه كتبها بعد أن تقدم به العمر كما ذكر ذلك في مقدمة منسكه، وهذا مما يزيد النقول قوة، إذ إنها كانت بعد زيادة سعة الإطلاع عنده - رحمه الله -؛ والمنسك موجود في مجموع الفتاوى، في المجلد السادس والعشرين، من الصفحة ٩٨ إلى الصفحة ١٥٩
فدونكم أيها القارئون لهذه الرسالة، الإجماعات المنقولة.
الإجماع الأول: نقل ابن تيمية الاتفاق على استحباب من مر على ميقاتين بأن يحرم من الأول، حيث ذكر عن أهل مصر والشام والمغرب أنهم كانوا يحرمون من رابغ بسبب أن الجحفة صارت خرابا، وقد يحرمون من ميقات المدينة فيكون ميقات الجحفة أمامهم، فقال - رحمه الله -:
اذا اجتازوا بالمدينة النبوية - كما يفعلونه في هذه الأوقات - أحرموا من ميقات أهل المدينة، فإن هذا هو المستحب لهم بالاتفاق.
فإن أخروا الإحرام إلى الجحفة ففيه نزاع.
[مجموع الفتاوى ١٠٠ /٢٦]
الإجماع الثاني: نقل ابن تيمية - رحمه الله - اتفاق الصحابة على أن النبي ﷺ حج قارنا، خلافا لما توهمه البعض في بعض ألفاظ الصحابة الذين نقلوا صفة حجة الوداع من كونه مفردا أو متمتعا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية  -رحمه الله -: قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة بسنته، وباتفاق الصحابة على ذلك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تمتع تمتعا حل فيه، بل كانوا يسمون القران تمتعا، ولا نقل أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين.
وعامة المنقول عن الصحابة في صفة حجه ليست بمختلفة، وإنما اشتبهت على من لم يعرف مرادهم، وجميع الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج، كعائشة، وابن عمر، وجابر، قالوا: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج.
[
مجموع الفتاوى ١٠٤ / ٢٦]
الإجماع الثالث: هل يلزم الحاج تليبية مخصوصة بعينها؟
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر بعض العبارات:
فمهما قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة، ليس في ذلك عبارة مخصوصة، ولا يجب شيءٌ من هذه العبارات باتفاق الأئمة، كما لا يجب التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة والصيام، باتفاق الأئمة، بل متى لبى قاصدا للإحرام انعقد احرامه باتفاق المسلمين، ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء.
[مجموع الفتاوى ١٠٤- ١٠٥ /٢٦]
الإجماع الرابع: هل يصح إحرام من لبس الثياب؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :
والتجرد من اللباس واجب في الإحرام، وليس شرطا فيه، فلو أحرم وعليه ثياب صح ذلك بسنة رسول الله
ﷺ، وباتفاق أئمة أهل العلم، وعليه أن ينزع اللباس المحظور.
[مجموع الفتاوى ١٠٨ /٢٦]
الإجماع الخامس:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: والسنة أن يحرم في إزار ورداء، سواء كان مخيطين أو غير مخيطين، باتفاق الأئمة.
[مجموع الفتاوى ١٠٩ / ٢٦]
الإجماع السادس: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
يجوز لبس كل ماكان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالقباء، والجبة، والقميص، ونحو ذلك، ويتغطى به باتفاق الأئمة عرضا، ويلبسه مقلوبا، ويجعل أسفله أعلاه، ويتغطى باللحاف وغيره، ولكن لا يغطي رأسه إلا لحاجة.
[مجموع الفتاوى ١١٠ /٢٦]
الإجماع السابع: قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: وليس له أن يلبس القميص لا بكُمٍ ولا بغير كُمٍ، وسواء أدخل فيه يده، أو لم يدخلهما، وسواء كان سليما أو مخروقا، وكذلك لا يلبس الجبة، ولا القباء الذي يدخل يده فيه، وكذلك الدرع الذي يسمى: (عرق جين) باتفاق الأئمة.
[مجموع الفتاوى ١١١/ ٢٦]
قلتُ: والفرق بين الاتفاقين فيما يتعلق بالقميص والقباء والجبة ونحوه، أن الاتفاق الأول على الالتحاف بها على هيئة الإزار والرداء، والثاني إذا لبس على حقيقة لبسه، والله أعلم.
الإجماع الثامن: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: وأما الرأس فلا يغطيه لا بمخيط ولا غيره، فلا يغطيه بعمامة، ولا قلنسوة، ولا كوفية، ولا ثوب يلصق به، ولا غير ذلك؛ وله أن يستظل تحت السقف والشجر، ويستظل في الخيمة، ونحو ذلك باتفاقهم.
[مجموع الفتاوى ١١١ -١١٢/ ٢٦]
الإجماع التاسع :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -: لو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضا.
[مجموع الفتاوى ١١٢/ ٢٦]
الإجماع العاشر والحادي عشر: نقل شيخ الإسلام الاتفاق على جواز تغطية الرجل يديه ورجليه، والاتفاق على عدم جواز لبس البرقع للنساء، وذلك في معرض تقريره عدم التفريق بين لبس المرأة على وجهها مايلاصقه، أو ما لا يلاصقه.
حيث قال - رحمه الله -:
وأزواجه
ﷺ كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة، ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ أنه قال: "إحرام المرأة في وجهها" وإنما هذا قول بعض السلف لكن النبي ﷺ نهاها أن تنتقب، أو تلبس القفازين، كما نهى المحرم  أن يلبس القميص، والخف، مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب فلهذا ينهى عنه باتفاقهم.
[مجموع الفتاوى ١١٢ -١١٣/ ٢٦]
الإجماع الثاني عشر:
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
وله - أي المحرم - أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق.
[مجموع الفتاوى ١١٦ / ٢٦]
الإجماع الثالث عشر والرابع عشر:
قال - رحمه الله -: وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره، إلاَّ هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرم كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم المقدس،  وحرم الخليل، فإن هذين ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه: حرم مكة؛ وأما المدينة فلها حرم عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي
ﷺ، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلاَّ في "وج" وهو واد في الطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم.
[مجموع الفتاوى ١١٧ - ١١٨ / ٢٦]
قلتُ: فتكون المسألة هكذا:
- مكة حرم بالإجماع.
- المقدس والخليل وغيرهما ليسا بحرم بالإجماع.
- المدينة حرم عند الجمهور.
- وداي وج ليس حرما عند الجمهور.
الإجماع الخامس عشر:
بعد أن ذكر شيخ الإسلام أن الحجر الأسود يقبل ويستلم، والركن اليماني يستلم فقط من دون تقبيل، قال - رحمه الله -:
وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وسائر مافي الأرض من المساجد، وحيطانها، ومقابر الأنبياء، والصالحين، كحجرة نبينا
ﷺ، ومغارة إبراهيم، ومقام نبيناﷺ الذي كان يصلي فيه، وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس، فلا تستلم ولا تقبل، باتفاق الأئمة.
[مجموع الفتاوى ١٢١ / ٢٦]
الإجماع السادس عشر:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: وكان النبي
ﷺ يختم طوافه بين الركنين بقوله: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" كما كان يختم سائر دعائه بذلك، وليس في ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة.
[مجموع الفتاوى ١٢٢ - ١٢٣ / ٢٦]
الإجماع السابع عشر:
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: وإن لم يمكنه الطواف ماشيا فطاف راكبا أو محمولا أجزأه بالاتفاق.
[مجموع الفتاوى ١٢٥ / ٢٦]
الإجماع الثامن عشر:
قال - رحمه الله -: فلا يجوز لحائض أن تطوف إلاَّ طاهرة إذا أمكنها ذلك باتفاق العلماء.
[مجموع الفتاوى ١٢٦ - ١٢٧/ ٢٦]
الإجماع التاسع عشر:
قال - رحمه الله -: ولا صلاة عقيب الطواف بالصفا والمروة، وإنما الصلاة عقيب الطواف بالبيت بسنة الرسول
ﷺ، واتفاق السلف والأئمة.
[مجموع الفتاوى ١٢٨ / ٢٦]
الإجماع العشرون:
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
وأما الإيقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق العلماء؛ وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة، وأما الإيقاد بمنى أو عرفة فبدعة أيضًا.
[مجموع الفتاوى ١٢٩ / ٢٦]
قلتُ: ولم يتبين لي طريقة الإيقاد المتفق على كونه بدعه، ولا الإيقاد الوارد بمزدلفة، وماهو وجه التفريق بين الإيقاد هنا وهناك، فهل هو إيقاد للنار من أجل الظلام، أو من أجل طبخ طعام، أو من أجل تدفئة!
فلو كان كذلك فما وجه البدعة والسنة فيه؟!
ولم أجد ما يوضح ذلك في الكتب حسب اطلاعي القاصر، ووجدت الشيخ عبد الكريم الخضير في شرحه لمنسك شيخ الإسلام قد استشكل هذهِ المسألة كما استشكلتُ، والمسألة تحتاج إلى بحث وتحرير، ومن علم حجة على من لم يعلم، ومن عنده فضل علم فلا يبخل بالإفادة
، ولكن على كل حال هي بدعة في وقت الشيخ - رحمه الله - اتفق العلماء على كونها بدعة، ولكن الاستشكال وجه البدعة فقط.

وبعد ثلاث سنوات من كتابة هذا المقال، تبيّن لي وجه البدعة المذكورة، وذلك بعد قراءتي لكتاب العلامة بكر أبو زيد - رحمه الله - : (جبل إلال بعرفات) فقد ذكر كلامًا لأهل العلم أن بدعتهم بالايقاد هي الاحتفال، والتشبه بفعل المشركين، ويراجع الكتاب مع المصادر التي ذكرها فيه صفحة (٣٧ - ٣٩) وصفحة (٦٥ - ٦٨)
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. 
١٢ / ١١ / ١٤٤٠هـ

.
الإجماع الحادي والعشرون:
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأما إذا اشترى الهدي من منى وذبحه فيها، ففيه نزاع؛ فمذهب مالك أنه ليس بهدي، وهو منقول عن ابن عمر، ومذهب الثلاثة أنه هدي، وهو منقول عن عائشة.
[مجموع الفتاوى ١٣٧ /٢٦]
الإجماع الثاني والعشرون: نقل شيخ الإسلام الاتفاق على أن الصحابة المتمتعين طافوا وسعوا أولا، ونقل الخلاف في سعيهم مرة ثانية بعد الإفاضة، فقال - رحمه الله -:
وقد اختلفوا في الصحابة المتمتعين مع النبي
ﷺ مع اتفاقهم أنهم طافوا أولا بالبيت وبين الصفا والمروة؛
ولما رجعوا من عرفة قيل: إنهم سعوا أيضًا بعد طواف الإفاضة، وقيل: لم يسعوا.
[مجموع الفتاوى ١٣٨ /٢٦]
الإجماع الثالث والعشرون:
قال شيخ الإسلام عن الذي يسلم على النبي
ﷺ عند زيارته:
واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة.
[مجموع الفتاوى ١٤٦ / ٢٦]
الإجماع الرابع والعشرون:
نقل شيخ الإسلام الإجماع على النهي عن الدعاء عند حجرة النبي
ﷺ؛ فقال - رحمه الله تعالى -:
ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، فإن ذلك منهي عنه باتفاق الأئمة.
[مجموع الفتاوى ١٤٧ / ٢٦]
الإجماع الخامس والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كلامه عن زيارة القبور، والصلاة عندها: وليست الصلاة عند قبورهم أو قبور غيرهم مستحبة عند أحد من أئمة المسلمين، بل الصلاة في المساجد التي ليس فيها قبر أحد من الأنبياء والصالحين أفضل من الصلاة في المساجد التي فيها ذلك باتفاق أئمة المسلمين؛ بل الصلاة في المساجد التي على القبور إما محرمة أو مكروهة.
[مجموع الفتاوى  ١٤٨ / ٢٦]
الإجماع السادس والعشرون:
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
والزيارة البدعية: أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به، فهذا ليس من سنة النبي
ﷺ، ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها؛ بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها.
[مجموع الفتاوى ١٤٩ / ٢٦]
الإجماع السابع والعشرون:
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
ولا يسافر أحد ليقف بغير عرفات، ولا يسافر للوقوف بالمسجد الأقصى، ولا الوقوف عند قبر أحد، لا من الأنبياء، ولا من المشايخ، ولا غيرهم؛ باتفاق المسلمين.
[مجموع الفتاوى ١٥٠ / ٢٦]
وبهذا النقل تنتهي هذهِ الدرر المنثورة، والفوائد المحبورة، جمعت شتاتها في هذه الرسالة المنشورة، أرجو من الله ثوابها، وأطلب منه غنمها، لي ولمن نقلت عنه ومن قرأها ونشرها؛
فاللهم لا تحرمنا أجرك، وواسع فضلك، وجود عطائك، وكريم عفوك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
الاثنين ٣ / ١٢ / ١٤٣٧هـ


السبت، 20 أغسطس 2016

نماذج من طعن عبد العزيز الريس في العلامة الفوزان، في رسالته: جوابي لبعض الفضلاء.

نماذج من طعن عبد العزيز الريس في العلامة الفوزان، في رسالته: جوابي لبعض الفضلاء.

أما بعد:
فإنه في يوم الثلاثاء ١٩ / ٣ /١٤٣٢ صدرت فتوى من سماحة شيخنا العلامة صالح الفوزان - متع الله به - في كتاب "الإلمام شرح نواقض الإسلام" لمؤلفه: عبد العزيز بن ريس الريس.
وهذا نص الفتوى:
وقد جاء في السؤال ما يلي :
السائل: يقول السائل: وجدت كتابا يُباع في المكتبات وسماه
(الإلمام بشرح نواقض الإسلام)، و قد قرر مؤلفه أن العذر بالجهل عام في كل مكفر، وأن المشرك الذي يعبد غير الله إذا كان ممن ينتسب للإسلام و ينطق بالشهادتين ...

العلامة الفوزان(مقاطعا):
هذا إرجاء! هذا قرأناه، أدركنا أنه كتاب إرجاء!
وهو خلاف النواقض التي ذكرها شيخ الإسلام، هو بزعمه يشرح، وهو يرد على الشيخ، يرد على الشيخ، هذا الكتاب يجب أن يُصادر و لا يُغتر به..انتهى)
وبعد خروج هذه الفتوى أخرج الريس كتابا يرد فيه على شيخنا، سماه: "جوابي لبعض الفضلاء، عن وصفه لي ولكتابي الإلمام بالإرجاء" وقد ملأه الريس ضلالا، وتلبيسا، وكذبا، وتزويرا؛ وطعنا واتهاما للشيخ الفوزان بما لا يتجرأ على قوله من عرف قدر علماء السنة!
وفي هذه الرسالة أذكر بعضًا من طعونات هذا المتعالم المنحرف في شيخنا العلامة صالح الفوزان، خاصةً والريس في هذه الأيام ينشر كتابه بمساعدة مريديه، وذلك بعد أن أخذوا بعض الثناء من الشيخ، بسبب كذب الريس على المشايخ والعلماء بأنه متراجع عن إرجائه وضلالاته، وهو من خلفهم ينشر ماحذروا منه، وينشر ردوده على شيخنا، والله المستعان.
١- قال عبد العزيز الريس في مقاله: "جوابي لبعض الفضلاء":
فقد ذكر أحد أهل العلم والفضل يوم الثلاثاء (3/19/ 1432هـ ) أن في كتابي " الإلمام في شرح نواقض الإسلام "
إرجاء بسبب أنه مقرر فيه العذر بالجهل لمن وقع من المسلمين في الشرك الأكبر بلا تفريط

حيث سئل: وجدت كتاباً يباع في المكتبات اسمه " الإلمام بشرح نواقض الإسلام " وقد قرر فيه مؤلفه أن العذر بالجهل عام في كل مكفر، وأن المشرك الذي يعبد غير الله إذا كان ممن ينتسب للإسلام وينطق بالشهادة.
فقال: هذا إرجاء هذا قرأناه وأدركنا أنه كتاب إرجاء وهو خلاف النواقض التي ذكرها شيخ الإسلام، هو بزعمه يشرح، وهو يرد على الشيخ، هذا الكتاب يجب أن يصادر ولا يغتر به ا.هـ
فأردت كتابة إجابة على ما ذكر – وفقه الله لهداه -...الخ)
قلتُ: فهذا واضح جدًا بأن الريس يقصد في رده هذا الشيخ العلامة الفوزان، والذي يوضح ذلك أن هذا الكلام الذي رد عليه الريس هو كلام شيخنا العلامة الفوزان.
٢ - قد زعم عبد العزيز بن ريس الريس أن جرح الفوزان له جرح مجمل، وزعم أن الجرح المجمل لمن هو معدَّل لا يقبل!!
ثم تناقض وسماه جرحا مفسرا!!
ولكنه مفسر بما ليس بجرح!

حيث قال في رده على العلامة الفوزان:
هذا كله في الجرح المجمل، فكيف بجرح فُسر بما ليس جرحاً، لأنه بسبب مسألة خلافية بين أهل السنة، وإلا لو فتح هذا الباب لبغى أهل السنة بعضهم على بعض..)
قلتُ: وهذا فيه تجهيل للشيخ العلامة صالح الفوزان، حيث إن الريس اتهمه بأنه جرح جرحا مفسرا بما ليس جرحا!
أي أن الفوزان لا يعرف الجرح الذي يستحق صاحبه الجرح، بل جرح بما لا يعتبر من الجرح!؟؟؟

كبرت كلمة تخرج من فم هذا المتعالم المكَّار!!
وفيه أيضًا : اتهام الفوزان بالبغي والظلم، حيث إن الريس يقول: لو فتح هذا الباب لبغى أهل السنة بعضهم على بعض!
فهل الفوزان برده ووصفه وحكمه عليك فتح باب البغي بين السلفيين؟!
فيا من لهم عقل وبصيرة: انظروا كلام هذا الريس كيف يطعن في إمام أهل السنة في زمانه، بهذا الكلام القبيح، والاتهام له بالجهل والبغي والظلم؟؟
يقولون عن الإخوان: إنهم يطعنون في العلماء؛ وهم يطعنون في العلماء مثلهم، بل وأشد منهم، لأنهم يتظاهرون بالسلفية والسنة!!!
ولكن كما قال أبو حاتم الرازي:
علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر.
[عقيدة السلف للصابوني ص ١١٨]
٣ - قال الريس في معرض رده على الشيخ العلامة صالح الفوزان:
وبعد هذا أيصح لمنصف أن يصر على وصف من يعتقد ذلك بالإرجاء، إني لأنصح كل *باغ* أو من بغى ثم أدرك الحقيقة أن يتدارك العمر بالرجوع عن بغيه، فإن المبغي عليه منصور ولو بعد حين، ومثاب أيما إثابة إذا قابل البغي بالصبر والاحتساب، قال تعالى(ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ).
قلتُ: وفي الحقيقة أيها الريس: فإن البغي والجهل والظلم بك أليق وأولى؛ فإنَّك ظلمت وبغيت على الشيخ الفوزان، والله منتقم لأوليائه، فلا تأمن عقوبة الله، فبادر بالتوبة والرجوع، والإنابة والخضوع، ودع التلبيس والمكر، والطعن والبغي، والظلم والعدوان؛ فإنك قد أكثرت من ذلك!!
٤ - قال عبد العزيز الريس عن الشيخ صالح الفوزان:
وقفت على كلام لبعض أهل الفضل والعلم وصفني فيه بالتعالم – عفا الله عنه وكفاني شر نفسي وسيئات أعمالي – لأنني قررت أن شروط لا إله إلا الله أكثر من سبعة.
وما أكثر وصفه – عفا الله عنه – بهذا حتى لعلماء شاعت عند أهل السنة إمامتهم..)
قلتُ: وهذي من طعونات الريس الواضحة، واتهاماته الباطلة، وجرأته الخائبة، وانحرافاته الظاهرة!
فهل الإمام الفوزان يصف أحدا بالتعالم دون وجه حق؟!
وهل الفوزان وصف علماء السنة بالتعالم؟!
ويتبجح الريس بكل وقاحة ويقول: وما أكثر وصفه – عفا الله عنه – بهذا حتى لعلماء شاعت عند أهل السنة إمامتهم.
نزه الله شيخنا العلامة الفوزان عن طعونات هذا المفتري، الكاذب المعتدي.
ولكن كما قيل:
وكم عالمٍ متفضلٍ قد سبَّه
من لا يساوي غرزةً في نعله
فأما وصفه لك بالتعالم فهذا حق لا مرية فيه، فأنت من جنيت على نفسك، وتكلمت في غير فنك، وأصَّلت أصولا باطلة، وكتبت قواعد هالكة، فحُقَ  لشيخنا وصفك بما تستحق، فالواجب عليك: كف اللسان والبنان عن الطعن في إمامنا، وعليك بلزوم دروسه لتتعلم العقيدة الصحيحة، فتنجو من معرة الإثم والاتباع.
٥ - طعن عبد العزيز بن ريس الريس  في الشيخ حيث قال عنه في ختام رسالته:
فلا يصح أن يقرّ على تبديع الناس، ووصفهم بالإرجاء؛ لمسألة تنازع فيها أئمة السنة كما تقدم النقل عن بعضهم.)
قلتُ: فهذه كلمة قبيحة جدا، تتضمن طعنا سيئا في العلامة الفوزان، حيث اتهمه الريس بتبديع الناس في مسائل خلافية!!!
وهي في الحقيقة مسائل عقدية وفاقية.
وهذا المتعالم المنحرف يتكلم عن العلامة الفوزان، وكأنه يتكلم عن رجل متهور في إصدار أحكامه، أو رجل جاهل في مسائل الجرح والتعديل، والأسماء والأحكام!!
ولكنه هواه الذي أعماه، فجعله يطعن بلا هوادة في شيخ عصره، وعلامة دهره!!
أيها الريس المفتون في نفسه، الفاتن لغيره، اخسأ فلن تعدو قدرك، فالشيخ الفوزان معروف بالعلم والفضل، عند أهل العلم والفضل، فليس هو من الجهال والمتهورين الذين يبدعون الناس بالهوى والظنون؛
فهو العالم الذي يتحرى حكمه، ويتأنى في إصدار جرحه؛
فرد نفسك عن غيها، وجنبها هواها، وأنقذها من باطلها.
وهذا غيض من فيض من طعون هذا المتعالم في الشيخ العالم.

فيا أيها الناشرون لهذا الرد على شيخنا العلامة الفوزان بما في هذا الرد من سوء الأدب، وقلة العلم، وكثرة التلبيس، وشدة الطعن، تحملوا وزر عملكم، ووزر من ضل بسببكم، واعلموا أن دعواكم موافقة الفوزان والرجوع له، قد صارت مكشوفة بكذبكم، وبخداعكم ومكركم؛
فإنكم شركاء في الإثم، وشركاء  في طعن العلامة الفوزان، وإن تظاهرتم بحبه، والالتفاف حوله، فأنتم ورب الكعبة كاذبون،
فأعمالكم تكذّب أقوالكم.
ولا تغتروا، فإن الدائرة عليكم وإن طال زمن باطلكم!
قال الإمام إسحاقُ بن راهويه: "لا يهولنك الباطل؛ فإِنَّ للباطل جولة ثم يتلاشى"
[الجرح والتعديل ٣٢٩/١]
فهذا الريس ومن ينشر له رده على الشيخ الفوزان، - ومنهم مفتون الريس بالعيون، وكل من ينشر ويدافع عن كتاب الإلمام، في كل مكان -، وراءهم ما وراءهم بهذا النشر، وانتظروا قادم بغيهم، ومستقبل مكرهم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
وبهذا نعرف أن هؤلاء عندهم مكر كبّار، يقابلون الفوزان بوجه، ومن خلفه ينشرون الردود عليه!!
كتبت هذا ليعرف الناس أنهم أعادوا نشر رد الريس على الشيخ الفوزان بعد أن أخذ الريس بعض الثناء من الشيخ بسبب كذب الريس أنه متراجع!!
وهذا مكر كبّار، لا يجيده إلا من انطوى على دسيسة سوء والعياذ بالله.
فدعواهم الرجوع للعلماء هو ذر الرماد في العيون فقط، والله حسيبهم، وكافينا شرهم ومكرهم.
أردتُ بيان الحق للخلق، الذي هو ظاهر لمن طلبه وأراده، وأما من تحكم فيه الهوى، فليس لنا عليه سبيل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.

السبت ١٧ / ١١ /١٤٣٧هـ

حكم شرب دم البرازي لمداوة داء الكَلَب؟

حكم شرب دم البرازي لمداوة داء الكَلَب؟
بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد:
فقد وصلني سؤال عن حكم شرب دم البرازي لمداوة داء الكَلَب " الغلث" وهذا الجواب على السؤال:
مايفعله بعض الناس من مداواة الإبل المصابة بمرض الكَلَب
" الغلث" أو مداواة من يصيبه المرض من الأشخاص، بجعلهم يشربون دم رجل من قبيلة البرازات من السهول، فإنه عمل لا يجوز، لأن الله عز وجل لم يجعل الشفاء فيما حرم علينا
، وقد أفتى بحرمة هذا العمل العلامة عبد الله أبا بطين - رحمه الله - والعلامة عبد الله العنقري - رحمه الله - وشيخ الحنابلة العلامة عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل - رحمه الله -.
وقد أفتى علماء اللجنة الدائمة برئاسة الإمام ابن باز - رحمه الله - بعدم الجواز، وهذا نص الفتوى:
السؤال الأول من الفتوى رقم ( ١٨٢٥٣)
ما حكـم شرب دم البرازي من قبيلتي السهول ومطير، حيث يشربونه عندما يعضهم حيوان مغلوث، وما الحكمة في هاتين القبيلتين فقط؟ 
ولماذا لا يشربون من دم أي قبيلة كانت؟

الجواب: شرب الدم حرام، ولا يجوز التداوي بالحرام؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله:  تداووا ولا تداووا بحرام، والتداوي بـدم القبيلتين المذكورتين لا أصل له في الشرع، بل هو منكر لا يجوز.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرئيس: عبد العزيز بن باز.
نائب الرئيس: عبد العزيز آل الشيخ. 
عضو: عبد الله بن غديان.
عضو: صالح الفوزان. 
عضو: بكر أبو زيد.
وبهذا البيان يتضح الحكم،
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
السبت ١٧ / ١١ / ١٤٣٧هـ

الجمعة، 3 يونيو 2016

مسائل وأحكام، على حديث " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَام"



مسائل وأحكام، على حديث " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَام"

﷽

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فهذهِ مسائلُ وأحكامٌ متعلقةٌ بحديثِ النبيﷺ:‏
"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ‏".متفق عليه
جمعْتُهَا في رسالة واحدة؛ تسهيلاً وتيسيرًا وتقريبًا، راجيًا من الله حسن العمل، والعفوَ عن التقصير والزلل، فلا حرم اللهُ الكاتبَ والقارئَ والناشرَ غُنْمَ الثواب، فأقول مستعينًا بربِّ العباد، راجيًا للتوفيق والسداد:
المسألة الأولى:

 هل الحديثُ يشمل صيامَ الفرض الواجب بأصل الشرع، أو هو خاصٌّ بمن كان عليه نذر؟

فالجواب:
قد اختلف العلماءُ في هذهِ المسألة على قولين، فمنهم من جعله خاصًّا بصيام النذر، وهو ماذهب إليه الإمامُ أحمد؛ قال أبو داود بعد أن أخرج الحديثَ: هذا في النذر وهو قول أحمد بن حنبل.. انتهى)
ونصَر هذا القولَ ابنُ القيِّم - رحمه الله -، ورجَّحه شيخُنا العلامة صالح الفوزان - نفع الله به -.
ومنهم من جعله عامًّا في صيام النذر وصيام الواجب بأصل الشرع؛ وهو ترجيح أهل الحديث، وابن تيميَّة، وابن باز، وشيخ الحنابلة عبدالله بن عقيل، وابن عثيمين، - رحمهم اللهُ جميعًا - وهو الصحيح.

وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد إلى عدم الصيام، لا في النذر ولا الواجب بأصل الشرع.
ولكنه قولٌ مرجوحٌ.

قال الإمامُ ابن باز - رحمه اللهُ - ناصرًا القول بأنَّ الحديثَ عامٌّ في صيام النذر وصيام الواجب بأصل الشرع:
" الصوابُ أنه عامٌّ وليس خاصًّا بالنذر، وقد رُوِيَ عن بعض الأئمة كأحمد وجماعةٍ أنهم قالوا: إنه خاصٌّ بالنذر، ولكنه قول مرجوح ولا دليل عليه والصواب أنه عام؛ لأنَّ الرسولَﷺ قال: "مَنْ مات وعليه صيام صام عنه وليُّه" ولم يقل: صوم النذر، ولا يجوز تخصيصُ كلامِ النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالدليل؛ لأنَّ حديثَ النبي عليه الصلاة والسلام عامٌّ يعمُّ صومَ النذر وصومَ رمضان إذا تأخَّر المسلمُ في قضائه تكاسلاً مع القُدرةِ أو صوم الكفَّارات، فمَن ترك ذلك صام عنه وليه، والوليُّ هو القريب من أقاربه، وإن صام غيرُه أجزأ ذلك.

فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم، سأله رجلٌ قال: يا رسولَ الله إنَّ أمِّي ماتتْ وعليها صومُ شهرٍ أفأصوم عنها؟ قال:  " أرأيتَ لو كان على أمِّك دينٌ أكنت قاضيَه؟ اقضوا اللهَ فاللهُ أحقُّ بالوفاء".
وسألتْه امرأةٌ عن ذلك قالت: يا رسول الله إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: " أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيتَه؟ اقضُوا الله فالله أحق بالوفاء".

وفي مسند أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله إني أمي ماتت وعليها صوم رمضان أفأصوم عنها؟ قال: "صُومِي عن أمِّك"
فأوضحتْ أنه رمضان فأمرها بالصيام.

والأحاديثُ كثيرةٌ دالَّةٌ على قضاء رمضان وغيره، وأنه لا وجه لتخصيص النذر بل هو قول مرجوح ضعيف والصواب: العموم."
[ الاختيارت الفقيهة / ٢٦١]

والمسألة الثانية :

 هل كل من مات وعليه صيام يصام عنه؟

الجواب:
ليس كلُّ مَن مات وعليه صيام يُصام عنه؛ لأنه لابدَّ أن يكون الميتُ قد تمكن من القضاء ولم يقضِ؛ أما إذا لم يتمكَّنْ من القضاء واستمرَّ معه العذرُ وماتَ، فلا يُصام عنه.

مثال ذلك:
لو أنَّ رجلاً أصابه مرضٌ في آخر رمضان واستمرَّ معه المرض إلى شوال ومات، فهذا لا يُقضى عنه؛ لأنه لم يتمكن من الصيام للعذر.
ولكنْ لو مرض رجل تسعةَ أيامٍ من رمضان ثم شُفِيَ، وجاء شوال ومات بعد شوال بعشرة أيام وكان صحيحًا معافًى، فهذا يُقضى عنه لأنَّه تمكن من القضاء ولم يقضِ.
قال العلامةُ العثيمين:
"مَن هو الذي إذا مات كان القضاء واجبًا عليه؟
الجواب: هو الذي تمكن من القضاء فلم يفعل، فإذا مات قلنا لوليِّه: صُمْ عنه."
[الشرح الممتع ٦ / ٤٥١]

المسألة الثالثة:

 إذا تمكن من قضاء بعض الذي عليه ثم مات، هل يصام عنه أم لا؟
الجواب: يصام عنه بقدر ما تمكن من القضاء، ولا يقضى عن الباقي.
مثال ذلك:
لو أن رجلاً عليه خمسة أيام، ثم زال عذرُه وأدرك ثلاثةَ أيام بعد العيد ولم يصم، فهذا يُصام عنه ثلاثة أيام، وأما اليومان الباقيان فإنَّها لا تُصام؛ لعدم تمكُّنِه منها.

قال الإمامُ ابن باز - رحمه اللهُ -:
"يُشرع لأقربائه أن يصوموا عنه ما يُقابل الأيام التي مضت عليه بعد العيد وهو سليم."
[الاختيارت الفقيهة / ٢٦٠]

المسألة الرابعة:

 لو نذر رجل أن يصوم شهر شعبان، ثم مات في رجب، هل يُصام عنه؟
الجواب: لا يُصام عنه؛ لأنَّه لم يُدركْ زمنَ الوجوب.

المسألة الخامسة:

 من هو الولي المقصود في الحديث؟
الجواب: اختلف أهلُ العلم في ذلك، فمنهم من قال: الوليُّ هو القريب مطلقًا؛ ورجَّحه الإمامُ ابن باز.
ومنهم من قال: هو الوارث؛ ورجَّحه الإمامُ العثيمين.
ومنهم من قال: هم العصبة.
قلتُ: والقول الأول أظهر، ولكن الوارث هو أقرب الأقرباء، فالحديث يتناوله من باب الأولوية.

المسألة السادسة:

 إذا لم يصم الوليُّ هل يجوز لغير الولي أن يصومَ عن الميت:
الجواب: الصحيح أنه يجوز ذلك، خلافًا لمن قال: هو خاصٌّ بالوليِّ كما دلَّ النصُّ؛ ولكن يُرَدُّ عليهم بأن هذا خرج مخرجَ الغالب.

قال الحافظُ ابن حجر
- رحمه اللهُ -:
"وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير -أيْ جواز غير الوليِّ أن يصومَ - وبه جزم أبو الطيب الطبري، وقوَّاه بتشبيه النبيﷺ ذلك بالدَّين والدين لا يختصُّ بالقريب.
[ فتح الباري ٤ / ٧٠٧]
قلتُ : ورجَّح القول بجواز صيام غير الولي، الإمامُ ابن باز - رحمه اللهُ -.

المسألة السابعة:

 هل الأمر بالصيام عن الميت واجب أم مستحب؟
الجواب: الجمهور على أنه مستحبٌّ، وصرَفه عن الوجوب قولُه تعالى:
(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
قال الحافظُ ابن حجر
- رحمه اللهُ -:
"وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور."
[فتح الباري ٤ / ٧٠٦]
وقال العلامةُ العثيمين - رحمه اللهُ - : " لو قلنا بوجوب قضاء الصوم عن الميت لزم من عدم قضائه أن تزرَ وازرةٌ وِزْرَ أخرى، وهذا خلاف ماجاء به القرآن."
[ الشرح الممتع ٦ / ٤٥٠ ]

المسألة الثامنة:

 مَن مات وعليه صيام ولم يتمكن من القضاء، وقد قلنا إنه لا يصام عنه، فهل يُخرج إطعامٌ مِن تَرِكَتِهِ؟
الجواب: لا يُخرج عنه إطعام، وهذا هو قول عامَّة العلماء؛ لأنه لم يجب عليه شيءٌ.

قال العظيم آبادي - رحمه اللهُ -:
" واتفق أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض والسفر، ثم لم يفرط في القضاء حتى مات فإنه لا شيءَ عليه، ولا يجبُ الإطعامُ عنه؛ غيرَ قتادة فإنه قال: يُطعم عنه. وحُكِيَ ذلك أيضًا عن طاووس.
[عون المعبود ٢٦ / ٧]

المسألة التاسعة:

إذا لم يصم الوليُّ عن الميت الذي تمكن من القضاء، فهل يخرج عنه إطعامًا؟

الجواب: يجب على الأولياء إذا لم يصوموا أن يُخرجوا من تركة الميت إطعامًا، فإنَّ لم يكن له تركة، فلا يجب عليهم إخراجُ شيءٍ مِن عندهم.

قال الإمامُ ابن باز
- رحمه اللهُ -:
" إذا أفطر المسلم في رمضان لمرضٍ، ثم شُفي وتساهل في القضاء ثم مات فإنه يُشرع لأقربائه أن يقضوا عنه، فإن لم يصوموا عنه أطعموا عنه من تَرِكَتِهِ عن كل يوم مسكينًا، ومَن لم يكن له تركة يمكن الإطعام منها فلا شيء عليه."
[مجموع الفتاوى ١٥ / ٣٦٨]

المسألة العاشرة:
هل يجوز تقسيمُ صيام الأيام على عددٍ من الأولياء؟
الجواب: يجوز تقسيم الأيام على أكثرَ من شخص ولا بأس في ذلك، بل هو من التعاون على البِرِّ والتقوى.

قال الإمامُ ابن باز
- رحمه اللهُ -:
" لو تعاون أولاد من مات وعليه صوم أو اقاربه على الصيام الذي عليه فيصوم كل واحد منهم يومًا أو أيامًا فلا بأسَ وهو مشروع."
[الاختيارت الفقيهة / ٢٦١]

المسألة الحادية عشرة:
هل يجوز تقسيم صيام الأيام على عدد من الأولياء إذا كان الصوم يشترط فيه التتابعُ: كفارة الجماع، والظهار، والقتل، واليمين، وكالنذر المشترط فيه التتابع؟

الجواب: لابدَّ في الصيام المشترط فيه التتابع أن يصومَه واحدٌ فقط، حتى يَصْدُقَ عليه أنه صام الأيام متتابعةً.
قال العلامةُ العثيمين
- رحمه اللهُ -:
" أمَّا في كفَّارة الظهار ونحوها فلا يمكن أن يقتسم الورثة الصوم لاشتراط التتابع؛ ولأن كل واحد منهم لم يصم شهرين متتابعين.
وقد يقول قائل: يمكن بأن يصوم واحد ثلاثة أيام، وإذا أفطر صام الثاني ثلاثة أيام وهَلُمَّ جرَّا حتى تتم؟
فيُجاب بأنه لا يصدق على واحد منهم أنه صام شهرين متتابعين.
[ الشرح الممتع ٦ / ٤٥٣]

المسألة الثانية عشرة:
هل يجوز أن يقسم الأولياء عدد الأيام على بعضهم ثم يصومونها في يوم واحد؟
الجواب: يجوز ذلك، ومثالها: لو أن رجلاً عليه ثلاثون يومًا، وقام ثلاثون رجلاً وصاموا عنه في يوم واحد، فإنَّه يجزئ.
روى البخاري عن الحسن معلقًا مجزومًا به، ووصله الدار قطني كما قال ابن حجر، أنه قال:
إنْ صام عنه ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا جاز.
انظر:
[ فتح الباري ٤ / ٧٠٥]

المسألة الثالثة عشرة:
هل المرأة داخلة في الحديث، بحيث يجوز لها الصيام عن الميت؟
الجواب: نعم، لأن الأصل الاشتراك مالم يدل دليل على التفريق.
فكيف وقد جاء النص بذلك
جاء عند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس :
جَاءَت امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نذْرٍ، أَفأَصُومُ عَنْهَا؟ قالَ: أَرَايْتِ لَو كانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ"

المسألة الرابعة عشرة:

هل يدل الحديث على جواز الصيام عن الميت تطوعا؟
الجواب: لا يدلُّ على ذلك، وإنما الحديث في الصيام الواجب، فنقتصر عليه؛ لأن الأصل المنع من النيابة في العباداتِ البدنيَّةِ.

فهذهِ جملةٌ من الأحكام الشرعية المتعلقة بحديث النبيﷺ: " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ. " نقلتها ميسَّرةً، سهلةً مختصرةً، أرجو من الله التسديدَ والصوابَ، والقبولَ والثوابَ، واللهُ أعلمُ، وصلى اللهُ وسلَّم علىٰ نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
الخميس ٢٦ / ٨ / ١٤٣٧هـ