الجمعة، 8 ديسمبر 2017

إفادة الفضلاء، بلطائف ابن رجب عن فصل الشتاء.

إفادة الفضلاء، بلطائف ابن رجب عن فصل الشتاء. 



أما بعد.

فإنَّ من آيات الله الدَّالة على ربوبيته، واستحقاقه للعبادة، تغيّر الأحوال، وتنوّع الفصول، وفي كل شيءٍ له آيةٌ... تدل على أنَّه واحد.
وفي هذه الرسالة جمعتُ فوائد مختصرة عن الشتاء من (المجلس الثالث: ذكر فصل الشتاء) من كتاب الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: (لطائف المعارف، فيما لمواسم العام من الوظائف.)
وقد جمعتُها ليعم نفعها، وينتشر خيرها، رجاء غنم الثواب، والسلامة من غرم العقاب.
وقد أنقل بعض الفوائد مُلخصة، وقد أعلق يسيرًا حين أرى المصلحة.
وهذه هي الفوائد بين يديك أيها القارئ الكريم.

١ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: الشتاء ربيع المؤمن:
خرّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيﷺ
قال: الشتاء ربيع المؤمن. وخرجه البيهقي وغيره وزاد فيه: طال ليلُه فقامه، وقصر نهارُه فصامه.

قلتُ: هذا الحديث مختلف في ثبوته فمنهم من حسنه كالهيثمي في مجمع الزوائد، ومنهم من ضعفه كالألباني.
ولكن معناه صحيح، وهو مروي بالمعنى، وبألفاظ قريبة، عن غير واحد من السلف.

قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
إنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنَّه يرتع فيه  في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه؛ كما ترتع البهائم في مرعى الربيع فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات.


٢- قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
فإنَّ المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كُلفة تحصل له من جوع ولا عطش، فإنَّ نهاره قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقة الصيام.
وفي المسند والترمذي عن النبي ﷺ قال: الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة.
وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء.
ومعنى كونها غنيمة باردة أنَّها حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة، فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوًا صفوًا بغير كلفة.

قلتُ: الحديث السابق صححه الألباني من حديث عامر بن مسعود.

٣ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
وأما قيام ليل الشتاء فلطوله يمكن أن تأخذ النَّفسُ حظها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده كله من القرآن، وقد أخذت نفسُه حظها من النوم، فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه، مع إدراك ورده من القرآن، فيكمل له مصلحة دينه، وراحة بدنه.

٤ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
ومن كلام يحيى بن معاذ: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك.

ويروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال: مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام.
وروي عنه مرفوعا ولا يصح رفعه.

وعن الحسن قال: نعم زمان المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه.

وعن عبيد بن عمير أنَّه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا.


٥ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف.


٦ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
القيام في ليل الشتاء يشق على النفوس من وجهين:
أحدهما: من جهة تألم النَّفس بالقيام من الفراش في شدة البرد.
والثاني: بما يحصل إسباغ الوضوء في شدة البرد من التألم.
قلتُ: وفي زماننا قد قلّ التألم من شدة البرد داخل البيوت، فيستطيع القيام في دفء مكان، وإسباغ وضوء بلا كلفة، لوجود سخانات تسخن الماء، فلم يبقَ سوى العجز والكسل، والله المستعان؛ فالَّلهم إنَّا نعوذ بك من العجز والكسل، ونسألك السداد في العمل


٧ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
وإسباغ الوضوء في شدة البرد من أفضل الأعمال.

٨ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
إسباغ الوضوء في شدة البرد من أعلى خصال الإيمان.


٩ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
كان عطاء الخرساني ينادي أصحابه بالليل: يافلان، ويا فلان، ويا فلان، قوموا فتوضؤوا وصلوا هذا الليل، وصيام هذا النهار أهون من شرب الصديد ومقطعات الحديد غدا في النار، الوحا الوحا النجا النجا.


١٠ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
يشرع دفع أذاه - البرد - بما يدفعه من لباس وغيره، وقد امتن الله على عباده بأن خلق لهم من أصواف بهيمة الأنعام وأوبارها وأشعارها مافيه دفء لهم؛ قال تعالى: ﴿وَالأَنعامَ خَلَقَها لَكُم فيها دِفءٌ وَمَنافِعُ وَمِنها تَأكُلونَ
وقال تعالى:
﴿وَمِن أَصوافِها وَأَوبارِها وَأَشعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حينٍ﴾.

١١ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا حضر الشتاء تعاهدهم، وكتب لهم بالوصية إنَّ الشتاء قد حضر وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا، فإنَّ البرد عدو، سريعٌ دخوله، بعيدٌ خروجه.

قال ابن رجب معلِّقًا:
وإنَّما كان يكتب عمر إلى أهل الشام لما فتحت في زمانه، فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهدٌ بالبرد أن يتأذى ببرد الشام، وذلك من تمام نصيحته، وحسن نظره، وشفقته وحياطته لرعيته.


١٢ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
ليس المأمور به أن يتقي البرد حتى لا يصيبه منه شيءٌ بالكلية، فإنَّ ذلك يضر أيضًا؛ وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد بالكلية حتى لا يحس بهما بدنه، فتلف باطنه، وتعجل موته.
فإنَّ الله بحكمته جعل الحر والبرد في الدنيا لمصالح عباده، فالحر لتحلل الأخلاط، والبرد لجمودها، فمتى لم يصب الأبدان شيءٌ من الحر والبرد تعجل فسادها، ولكن المأمور به اتقاء ما يؤذي البدن من الحر المؤذي والبرد المؤذي، المعدودان من جملة أعداء بني آدم.

قلتُ: وهذه فائدة طبِّيَّة مهمَّة، وقد ذكر نحوها غير واحد من أهل العلم وأهل الخبرة.

١٣ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
قال بعض السلف: إنَّ الله وصف الجنة بصفة الصيف لا بصفة الشتاء، فقال:
﴿في سِدرٍ مَخضودٍ ۝ وَطَلحٍ مَنضودٍ ۝ وَظِلٍّ مَمدودٍ ۝ وَماءٍ مَسكوبٍ ۝ وَفاكِهَةٍ كَثيرَةٍ﴾.
وقد قال الله تعالى في صفة الجنة: ﴿مُتَّكِئينَ فيها عَلَى الأَرائِكِ لا يَرَونَ فيها شَمسًا وَلا زَمهَريرًا﴾ فنفى عنهم شدة الحر والبرد.
قال قتادة :علِم الله أنَّ شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي فوقاهم أذاهما جميعًا.


١٤ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
وقال بعض السلف: البرد عدو الدين، يشير إلى أنه يُفتّر عن كثير من الأعمال، ويثبط عنها، فتكسل النفوس بذلك، وقال بعضهم: خلقت القلوب من طين، فهي تلين في الشتاء كما يلين الطين فيه.

قلتُ: قد يُشكل تسمية الشتاء ربيعًا لما فيه من الطاعات، وتسميته عدوا للدين لتفتيره عن العبادات، ولكن الجمع بينهما:
أن الله عز وجل جعل الشتاء ربيعًا للمؤمن الذي جدّ واستغل قصر النهار وطول الليل، ولم يمنعه وجود بعض المشاق في الشتاء عن القيام بما أحب الله، وهذا لا ينافي كون الشتاء مفتّرا لمن ركن إلى برودته، واستسلم لبعض مشقته، فالنفوس على حسب مايعودها عليه أصحابها. 

١٥ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
الإيثار في الشتاء للفقراء بما يدفع عنهم البرد له فضل عظيم.
خرج صفوان بن سليم في ليلة باردة بالمدينة من المسجد فرأى رجلًا عاريًا فنزع ثوبه وكساه إياه، فرأى بعض الشام في منامه أن صفوان بن سليم دخل الجنة بقميص كساه، فقدم المدينة فقال: دلوني على صفوان، فأتاه فقص عليه ما رأى.)

قلتُ: والمنامات لا تُبنى عليها أحكام، ولكنَّها مبشّرات مؤنّسات.


١٦ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
ومن فضائل الشتاء أنَّه يذكر بزمهرير جهنم، ويوجب الاستعاذة منها، وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيﷺ قال: إذا كان يوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم! اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله تعالى لجهنم: إن عبدا من عبادي استجار بي من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته، قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده.)
قلتُ: هذا الحديث ضعفه السخاوي والعجلوني، وقال الألباني: منكر.


١٧ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
في الحديث الصحيح عن النبيﷺ: إنّ لجهنم نفسين، نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف، فأشد ماتجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ماتجدون من الحر من سمومها.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -قال: يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر.

١٨ - قال ابن رجب - رحمه الله -:
قال تعالى: ﴿هذا فَليَذوقوهُ حَميمٌ وَغَسّاقٌ
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -:
الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق من برده، وقال مجاهد - رحمه الله -: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده، وقيل: إن الغساق: البارد المنتن؛ أجارنا الله تعالى من جهنم بفضله وكرمه.

١٩ - قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
يامن تتلى عليه أوصاف جهنم ويشاهد تنفُّسها كل عام حتى يحس به ويتألم، وهو مُصِرٌّ  على ما يقتضي دخولها مع أنه يعلم، ستعلم إذا جيء بها تُقاد بسبعين ألف زمام من يندم، ألك صبّرٌ على سعيرها وزمهريرها؟ قل وتكلم، ماكان صلاحك يرجى والله أعلم.

كم يكون الشتاء ثم المصيف
وربيعٌ يمضي ويأتي الخريف
وارتحال من الحرور إلى البـر
د وسيف الردى عليك منيف
ياقليل المقام في هذه الدنيا
إلى كم يغرك الـتـسـويــــف؟
ياطالب الزائل حـــتى مـــتى
قـلـبـك بـالـزائـل مـشغــوف
عجبًا لامرئ يذل لذي الدنيا
ويـكــفـيــه كـل يـوم رغـيـف


إلى هنا انتهت هذه الفوائد المختارة، التي أرجو أن ينفع الله بها كاتبها وناقلها وقارئها وناشرها.
والله أعلم وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العسَّاف.
ليلة الجمعة ٢٠ / ٣ / ١٤٣٩ هـ


الخميس، 5 أكتوبر 2017

الرد على من يتهم المصلحين أنهم يتهمون المجتمع بالشهوانية!

الرد على من يتهم المصلحين أنهم يتهمون المجتمع بالشهوانية!




أما بعد:

فقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُريدُ أَن يَتوبَ عَلَيكُم وَيُريدُ الَّذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهَواتِ أَن تَميلوا مَيلًا عَظيمًا﴾ [النساء: ٢٧]
فلا يزال شياطين الشهوات يُلبِّسون على الناس بالشبهات، من أجل إيقاعهم في شَرَك المهلكات.
ومن شبهات هؤلاء المجرمين:
قولهم عند تحذير الناصحين من انفلات النساء، سواءً في قيادتها، أو خروجها من بيتها، أو تبرجها وسفورها، أو اختلاطها، أو إسقاط ولايتها، فإنَّهم يقولون: (أنتم تتهمون المجتمع السعودي بالانحلال الأخلاقي، وأنه شعب شهواني، فالشعب السعودي محافظ لا خوف عليه!!!!)
وهذه الشبهة الساقطة التي لولا انتشارها عند البعض، ورواجها عند من قلّ نصيبه من العلم، لما كتبتُ ردا عليها ، ويكون الرد عليها بما يلي:
أولًا: المجتمع السعودي مجتمعٌ على قدر من المحافظة والديانة، ولكن ليس هناك مايمنع من دخول الانحراف عليه، عند انتشار المنكرات؛ فليس هناك نص يستثني أحدًا دون أحد؛ وليس مجتمعنا ملائكيا معصومًا من الزلل حتى يُعطى هذه التزكية، ولكنَّ هؤلاء المفسدين يريدون تطبيع المجتمع على المنكرات بمثل هذه التزكيات.
والواقع يدل على أن بعض المجتمع تأثر  بمثل هذه المنكرات، فكيف إذا زاد انتشارها؟!!!

ثانيًا: النصوص الشرعية حذرت الناس كلهم من اتباع خطوات الشيطان،
قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشَّيطانِ وَمَن يَتَّبِع خُطُواتِ الشَّيطانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالفَحشاءِ وَالمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١]
فهل المجتمع السعودي مُستثنى من هذه الآية؟؟؟؟
وهذه الآية من أدلة القاعدة الشرعية المعروفة المجمع عليها في الجملة: (سد الذريعة) والتي تكون في أصول مباحة، فكيف إذا كانت الأمور متعلقة بمنكرات منصوص عليها، ولا يختلف من شم رائحة العلم في حكمها!
فهذه أولى بالمنع، وأجدر بالتحذير.

وقال النبيﷺ كما في حديث أسامَةَ بنِ زيد - رضي الله عنهما -: "مَا تركْتُ بعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّسَاءِ.) رواه البخاري ومسلم.
فهل المجتمع السعودي مُستثنى من هذا الحديث؟؟؟؟؟

وقال النبيﷺ كما في حديث
أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: (إنَّ الدُّنيا حلوةٌ خَضِرة، وإنَّ الله مُستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملُون؟ فاتقوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساء؛ فإنَّ أوَّل فِتنة بني إسرائيل كانت في النِّساء.) رواه مسلم.

فهل المجتمع السعودي مُستثنى من هذا الحديث؟؟؟
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا .

ولك أن تتأمل أن هذا الخطاب يوجهه النبيﷺ إلى الصحابة وهم خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والرسل، وأطهر البشر بعد الأنبياء والرسل، فهل هذا اتهام لهم بالشهوانية والانحلال؟؟
حاشا وكلا!

ولكن من النصح الواجب: التحذير من المنكرات، وبيان خطورة الانفلات، والحذر من مصيدة الخطوات، التي ينصبها إبليس وأتباعه.
فهل بعد الصحابة من يأمن على نفسه، ولا ينتظر تحذيرا، ولا يأمن مكرا؟
عجب عجاب!

ثالثًا: قولهم: اتهام للمجتمع بالشهوانية)
يُقال لهؤلاء: أنتم أصلًا تريدون بمثل هذه الشبهات أن تصلوا إلى شهواتكم البهيمية!
فلا تغالطوا في الشهوانية!
هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى يقال:
إن النفوس جُبلت على الميل من الجنسين لبعضهما، فالرجل يميل للمرأة، والمرأة تميل إلى الرجل، ولذلك شُرع النكاح، وأُمرنا بغض البصر، وحفظ الفرج.
وعندما ينتشر التبرج والسفور والاختلاط، تتحرك الغرائز، وتميل النفوس، ويؤزها الشيطان، ويُزين الفحشاء، فيقع مايريد شياطين الأنس والجن.
فالمغالطة في هذا الأمر خطأ على الشرع الذي أمر بضد مايأمر به هؤلاء المجرمون، وخطأ على العقل والواقع الّلذين يدلان على وقوع الميل بين الجنسين.

رابعا: على الجميع الحذر من خطوات الشيطان وأعوانه، الذين يريدون جرَّ المجتمع إلى الانحلال الأخلاقي بانفلات النساء، الذي هو مهلكة الأمم، وداء المجتمعات، الذي أهلك بني اسرائيل وجرَّ عليهم الويلات؛ والسعيد من اتعظ بغيره ممن جرب الانفلات فوقع في المهلكات.

وأخيرا: ليعلم بنو ليبرال وبنو علمان وكل من ركب مركبهم، أن المصلحين ماضون في الاصلاح، ودين الله منصور ولو كره الكافرون.

والله أسأل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يرد كيد الكائدين، ويحبط مكر الماكرين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.

ضحى الخميس 15 من شهر الله المحرم 1439 هـ

الأربعاء، 4 أكتوبر 2017

حكم استذكار الموالد والوفيات كل سنة.

حكم استذكار الموالد والوفيات كل سنة.


أما بعد:
فإنَّه تنتشر في وسائل التواصل رسائل على وسم:
#في_مثل_هذا_اليوم
ونحو هذه العبارات (كذكرى وفاة فلان)، ويذكرون فيه من مات من الفضلاء والعلماء والملوك ونحوهم في هذا اليوم، أو خَتْم مؤلف وكتاب ونحو ذلك؛
ويكون فعلهم ذلك سنويًّا!
ففي التاريخ الفلاني كل سنة يذكرون هذا الرجل المتوفى أو المولود والكتاب المُنتهى من تأليفه ونحو ذلك.
وهذا الفعل في الحقيقة لا يختلف حكمه عن موالد الصوفية والرافضة، وتعازي الرافضة ومناحاتهم على الوفيات كل سنة!
وإن كان بعضهم يفعل ذلك لاستذكار فضل الفضلاء، وعِلم العلماء، ولكن هذا لا يُخرجه عن كونه منكرًا، فالموالد والمناحات يفعلها الصوفية والرافضة استذكارًا للفضل في الأصل!
وإن كانوا يستصحبون مع ذلك منكرات أُخر، فمقلٌ ومستكثرٌ.

ويزيد الأمرَ سوءً أنَّ بعضهم يعتمد في مثل هذه الأيام على التاريخ الميلادي!
وهذا تشبهٌ بالنصارى، والتشبه بهم لا يجوز.
قالت اللجنة الدائمة في جواب السؤال الثاني من الفتوى رقم ( 20722 ):
لا يجـوز للمسلمين التـأريخ بـالميلادي؛ لأنـه تشـبه بالنصارى ، ومن شعائر دينهم. )

فالخلاصة:
مثل هذهِ الرسائل لا يجوز نشرها ولا تداولها، لأنَّها أخت موالد ومناحات الصوفية والرافضة، ولم يكن عليها فعلُ الرسول ﷺ ولا الصحابة ولا التابعين من السلف المرضيين.
وهي داخلة في مسمى الأعياد الزمانية لتكررها وعودها في زمن معين.
والله أعلم وأحكم، وصلّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العسّاف
ظهر الأربعاء 14 / 1 / 1439هـ

السبت، 16 سبتمبر 2017

التقيَّة الإخوانيَّة.

التقيَّة الإخوانيَّة.



أما بعد:

فإن تقيَّة الإخوان المجرمين كتقيَّة الرافضة المشركين، ولا عجب في ذلك،
لأنَّ بينهما توأمة سابقة، وعلاقة صادقة.

ففي هذهِ الأيام يدَّعي الإخوان المجرمون أنَّهم وطنيون، تماشيًا مع قوة الشعب المدافع عن وطنه ضد الحراك المزعوم؛
ولكن هذهِ تقيَّة إخوانيَّة اسمها عندهم (فقه المرحلة)!
فهم أنفسهم المحرضون قبل زمن يسير، وهم المشجعون للمعتقلين، وهم المستضيفون للمجرمين، واليوم فجأة هم وطنيون!!!
لو كانوا صادقين فليحذروا صراحةً من حزب الإخوان ( إخوان الشياطين)،
وليحذروا بوضوح من إخوانهم المجرمين المحرضين،
ولكنهم لا يستطيعون.
وأقولها بوضوح:
لو نجح الحراك لرأيناهم مع الحراك!
وليس هذا الكلامُ قولًا جزافًا، بل هو كلامٌ مبنيٌ على معرفة بمنهج هؤلاء المتلونين، وبوقائع مخزية
لهؤلاء المرجفين؛ ولنرجع للوراء قليلًا لنعرف كيف يتقلَّب هؤلاء مع الأحداث حسب المصلحة:
قبل سنوات يسيرة عندما قامت (اعتصامات بريدة) للإفراج عن المعتقلين والمعتقلات الإرهابيين والإرهابيات، ظن الإخوانيون أنَّها فرصتهم فقاموا بتأييدها، والتغريد لصالحها، ولكن خيّب الله ظنّهم، وكبت سعيهم، وبقيت الدولةُ شامخةً أبيَّة.
وهم أنفسهم اليوم وطنيون!
لماذا؟
لأن حراك منافقي لندن وأتباعهم بوادر فشله قد اتضح بوقوف الشعب الوفي مع قيادته.
فعرفوا ضعف موقفهم، وقوة مواجهتهم، فصاروا وطنيّين!
فاحذروا تقيَّة الإخوان، ولا تغتروا بالوطنية المؤقتة.


🖊مبارك بن خليفة بن محمد العسَّاف.

24 / 12 / 1438هـ

الأربعاء، 30 أغسطس 2017

من أحكامِ التَّكبير المقيَّد.

من أحكامِ التَّكبير المقيَّد.

الحمد لله عدد ماكبره المكبِّرون، والله أكبر عدد ما أهل المُهلون، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون، وصلى الله وسلم على خير من لبَّى وكبّر، وأهلّ وقلد وأشعر؛ وصحابته ومن تبعه إلى يوم المحشر.

أما بعد:
فهذه جملةٌ مفيدةٌ من أحكام التَّكبير المقيَّد، قيَّدتُها مسائل مجموعات، تسهيلًا  للوصول للمعلومات، رجاء رفع الدرجات، وحط الخطيئات، في هذه العشر المباركات؛
فاللهم لا تحرم كاتبها وقارئها الأجر والمثوبات.
فأقول مستعينًا برب العباد، راجيًا للتَّوفيق والسداد:


المسألة الأولى:
التكبير المقيَّد عقب الصلوات المفروضات مجمعٌ عليه، فمن أنكره فقد أنكر حكمًا شرعيًّا مجمعًا عليه.

قال الحافظ النووي - رحمه الله -
وأما التَّكبير المقيَّد فيشرع في عيد الأضحى بلا خلاف لإجماع الأمة.
(المجموع ٥ / ٣٨)

وقالَ الحافظ ابنُ رجب - رحمه اللهُ -:
اتفقَ العلماءُ على أنَّه يشرعُ التكبيرُ عقيب الصلوات في هذهِ الأيام في الجملة، وليس فيه حديث مرفوعٌ صحيحٌ، بل إنما آثارٌ عن الصحابةِ ومن بعدهم، وعملُ المسلمينَ عليه؛
وهذا مما يدل على أنَّ بعض ما أجمعت الأمَّةُ عليه لم ينقل إلينا فيه نصٌّ صريحٌ عن النَّبيِّ ﷺ بل يُكتفى بالعمل به.)
(فتح الباري لابن رجب ٩/ ٢٢)

وقالت اللجنة الدائمة برئاسة الإمام ابن باز - رحمه الله - عن التَّكبير المقيَّد في الفتوى رقم:(١٠٧٧٧):
(وقد دلَّ على مشروعية ذلك: الإجماع وفعل الصحابة.)

المسألة الثانية:
حكم التكبير المقيد، هل واجب أو مستحب؟
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
قال مالكٌ في هذا التكبير: إنَّه واجبٌ.
قال ابن عبد البر: يعني وجوب سنَّة، وهو كما قال.
(فتح الباري لابن رجب ٩/ ٢٢)

المسألة الثالثة:
متى يبدأ التكبير المقيَّد؟
يبدأ من فجر يوم عرفة لغير الحاج.

قال الموفق ابن قدامة - رحمه الله - مؤيدًا هذا القول:
لأنّه إجماع الصحابة.
قيل لأحمد - رحمه الله -: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع، عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهم -.
(المغني ٣ / ٢٨٨ - ٢٨٩ بتصرف)

وقالَ ابن رجب - رحمه الله -:
وقد حكى الإمامُ أحمدُ هذا القولَ إجماعًا من الصحابة)
(فتح الباري لابن رجب ٩/ ٢٢)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية
- رحمه الله -:
ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لهذا الحديث ولحديث آخر رواه الدارقطنى عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولأنه إجماع من أكابر الصحابة ، والله أعلم .
(مجموع الفتاوى ٢٤ / ٢٢٢)

وأما الحاج فيبدأ التكبير المقيد من صلاة الظهر يوم النحر.
قال ابن قدامة - رحمه الله -:
وأمَّا المحرمون فإنَّهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر.
( المغني ٢٨٩ / ٣)

المسألة الرابعة:
متى ينتهي التكبير المقيد؟
ينتهي بعد صلاة العصر آخر آيام التشريق.
قالَ الإمام الموفق ابن قدامة
- رحمه اللهُ -:
فذهب إمامنا - رضي الله عنه - إلىٰ أنَّه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التَّشريق؛ وهو قول عمر وعلي وابن عبَّاس وابن مسعود - رضي اللهُ عنهم - .)
(المغني ٣ / ٢٨٨)

وذكر الحافظ ابنُ رجب - رحمه الله - هذا القول ومن قالَ به، ثم قالَ:
(وعليه عملُ النَّاس في الأمصارِ.)
( فتح الباري لابن رجب ٩ / ٢٦)


المسألة الخامسة:
هل يكبر المسبوق؟
في الإقناع وشرحه (٣ / ٤١٧):
و يكبر مسبوقٌ بعد قضائه مافاته من صلاته وسلامه؛ لأنَّ التَّكبير ذكرٌ مسنون فلا يتركه المسبوق، كغيره من الأذكار.

المسألة السادسة:
هل يُكبَّرُ المنفرد بعد صلاته الفريضة وبعد النوافل؟

قالَ ابنُ رجب - رحمه اللهُ -:
(قالَ أكثرُ العلماء: لا يُكبّرُ عقبَ النوافل. )
(فتح الباري لابن رجب ٩ / ٢٦)

أما المنفرد إذا صلى الفريضةَ لوحده فقد قال ابن رجب - رحمه الله -:
واختلفوا هل يُكبِّر من صلى الفرض وحده؟ على قولين:
أحدهما: لا يكبر وهو مرويٌّ عن ابن عمر، وذكره سفيان الثوري عن أبي جعفر عن أنس.
وقال ابن مسعود: ليس التكبير في أيام التشريق على الواحد والاثنين، التكبير على من صلى في جماعة.
وممن قال: لا يكبر إذا صلى الفرض وحده: الثوري وأبو حنيفة وأحمد في رواية.

والقول الثاني - أن المنفرد يكبر - : هو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري - في رواية أخرى - والحسن بن صالح، ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى.
(فتح الباري لابن رجب ٢٧ / ٩)

وحكى ابن قدامة القول الأول إجماعًا عن الصحابة قال: ولنا قول ابن مسعود وفعل ابن عمر، ولم يُعرف لهما مخالفٌ من الصحابة، فكان إجماعًا
 (المغني ٢٩١ / ٣)
ونقل بعدها الرواية الثانية عن أحمد التي ذكرها ابن رجب في النقل السابق.

قلتُ: والذي يظهر في هذه المسألة أن الأمر فيها واسع، وأن الخلاف بين العلماء واقع، ولا نص فيها فاصل، وماذكرتُه هو نحو ماذكره العلامة العثيمين - رحمه الله - في الشرح الممتع: ٥ / ١٦٥)

المسألة السابعة:
هل يلزم أن يكبر الإمام حتى يكبر المأموم؟

قال ابن قدامة في المغني (٢٩٣ /٣):
وإذا نسي الإمام التَّكبير كبَّر المأموم)

وفي الإقناع وشرحه (٣ / ٤١٧):
(ويُكبِّر مأمومٌ نَسِيَه إمامُه) ليحوز الفضيلة كقول: آمين.

المسألة الثامنة:
هل يشرع للمسافرين التَّكبير بعد الصلوات؟
قال ابن قدامة - رحمه الله -
والمسافرون كالمقيمين فيما ذكرنا.
(المغني ٣ / ٢٩١)

وقال ابن رجب - رحمه الله - :
هو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري - في رواية أخرى - والحسن بن صالح، ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى قال هؤلاء كلهم: يكبر في السفر والحضر، وقال أبو حنيفة: لا يكبر المسافر إلا إذا اقتدى بالمقيم تبعًا.
(فتح الباري لابن رجب ٢٧ / ٩)

قلتُ: والقول بأن المسافر كالمقيم أرجح لعدم الدليل المفرق بينهما.

المسألة التاسعة:
هل يكبّر بعد صلاة عيد الأضحى؟

يُقال: إنَّ التكبير عند الجمهور على الفرائض دون النوافل، وصلاة العيد مختلف في حكمها، هل هي سنة مؤكدة أم فرض كفاية أم فرض عين؟
ولذلك اختلفوا في التكبير بعدها.
قال ابن قدامة:
قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يُكبِّر عقب صلاة العيد، وهو قول أبي بكر؛ لأنَّها صلاة مفروضة في جماعة، فأشبهت صلاة الفجر، وقال أبو الخطاب: لا يسن، لأنها ليست من الصلوات الخمس، فأشبهت النوافل، والأول أولى، لأن هذه الصلاة أخص بالعيد، فكانت أحق بتكبيره.
(المغني ٣ /٢٩٣)
قلتُ: والقول بعدم التكبير أولى، حتى لو قلنا بوجوب صلاة العيد، لأن المراد من الصلوات المفروضات عند الجمهور الصلوات الخمس، ولعدم الدليل الخاص بصلاة العيد، إذ أن التَّكبير لو حصل بعد صلاة العيد لنُقِل إلينا، لتوفر الدواعي لنقله.
ولذلك ممن رجح عدم التكبير بعد صلاة العيد العلامة العثيمين - رحمه الله - مع أنه يرى بأن صلاة العيد فرض عين.
قال الحجاوي في الزاد: (ولا يسن عقب صلاةِ عيدٍ) قال العثيمين: الضمير يعود على التكبير المقيد؛ لأننا نتكلم عن المقيد، فلو صلى العيد، وقال: أريد أن أكبِّر، قلنا: لا تكبّر؛ لأنَّه إذا سلّم الإمام من صلاة العيد قام إلىٰ الخطبة، وتفرغ النَّاس للاستماع والانصات، ولا يكبرون.
ودليل هذا: أنه لم يرد عن النبيﷺ، ولا عن أصحابه أنهم كانوا يكبرون عقب صلاة العيد، وما لم يرد عن الشارع من العبادات فالأصل فيه المنع، لأن العبادة لابدّ من العلم بأنها مشروعة.
( الشرح الممتع ١٦٩ / ٥)

المسألة العاشرة:
هل يشرع للنساء التكبير؟
قال الإمام البخاري - رحمه الله - في الصحيح مُعَلقًا:
وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ.

قال ابن قدامة - رحمه الله -:
وكذلك النساء يكبرن في الجماعة، وفي تكبيرهن في الانفراد روايتان كالرجال.
(المغني ٣ / ٢٩١)
ونقل ابن رجب - رحمه الله - الاتفاق على كونهن يكبرن إذا صلين مع الرجال جماعة، قال:
ولا خلاف في أن النساء يكبرن مع الرجال تبعًا إذا صلين معهم جماعةً، ولكن تخفض المرأة صوتها بالتكبير، وإن صلت منفردة ففي تكبيرها مافي تكبير الرجل المنفرد، بل هي أولى بعدم التكبير.
( فتح الباري لابن رجب ٢٨ / ٩)

المسألة الحادية عشرة:
إذا صلت النساء جماعةً مع بعضهن هل يكبرن؟
قال ابن رجب - رحمه الله -:
وإن صلى النساء جماعةً ففي تكبيرهن قولان أيضًا، وهما روايتان عن الثوري وأحمد، ومذهب أبي حنيفة: لا يكبرن، ومذهب مالك والشافعي يُكبِّرن.
( فتح الباري لابن رجب ٢٨ / ٩)

قلتُ: وظاهر ترجمة البخاري كما قال ابن حجر تعميم حكم التكبير، قال البخاري: باب التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة.
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - بعد أن ذكر الخلافات في من يكبر ومن لا يكبر:
وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميع.
( فتح الباري ٣ / ١٤١)

قلتُ: والأظهر أنهنَّ لا يُكبّرن إلَّا تبعًا للرِّجال إذا صلين مع الرِّجال جماعة، لأنّه نُقِل الاتفاقُ على مشروعيته.


المسألة الثانية عشرة:
هل يُقال التكبير المقيَّد بعد التسليم مباشرةً؟
أم بعد الاستغفار؟
أم بعد الأذكار كلها؟
اختلف العلماءُ في ذلك، والأمر في ذلك واسع، ولكن الذي يظهر أنَّه يُقدم التَّكبير على الأذكار، عدا الاستغفار وقول: "اللهم أنت السلام"، لأنَّه ألصق بالصلاة، وإلى هذا ذهب العلامةُ ابن إبراهيم، والعلامةُ العثيمين.

قالَ العلامةُ محمد بن إبراهيم
 - رحمه اللهُ -:
يقول الشَّيخ - يعني شيخ الإسلام ابن تيميَّة - : أتوقف في ذلك، وتوقفه لأنَّه لم يظهر له مايستدل به تقديم هذا.
فأخذ من هذا أنه يُقدم على الأذكار الأُخَر التي غير الاستغفار "اللهم أنت السلام")
(فتاوى ابن إبراهيم ٣ / ١٢٨)

وقالَ العلامةُ العثيمين
 - رحمه اللهُ -:
واختُلف في محل هذا التكبير المقيّد، هل هو قبل الاستغفار وقبل " الَّلهم أنت السلام" أو بعدهما؟
قال بعضُ العلماء: يكون قبل الاستغفار وقبل " الَّلهم أنت السلام ومنك السلام" ، فإذا سلّم الإمامُ وانصرف كبّر رافعًا صوته، ثم يستغفر ويقول: الّلهم أنت السلام ومنك السلام.
والصحيح: أن الاستغفار وقول: " الَّلهم أنت السلام " مُقَدَّمٌ؛ لأنَّ الاستغفار وقول: "الَّلهم أنت السلام" ألصق بالصلاة من التَّكبير، فإنَّ الاستغفار يسن عقيب الصلاة مباشرةً. )
(الشرح الممتع ٥ / ١٦٤)

المسألة الثالثة عشرة:
صيغة التكبير.
قال الحجاوي في الزاد:
وصفته شفعًا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
قال العثيمين:
وهذه المسألة فيها أقوال ثلاثة لأهل العلم:

الأول: أنه شفعٌ: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
عللوا ذلك أنه بـ"لا إله الا الله" يختم بوتر وكذلك "ولله الحمد"
الثاني: أنه وترٌ: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
وعللوا بأن يكون تكبيره وترا.
الثالث: وتر في الأولى، شفع في الثانية:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
وعللوا أن التكبير جنس واحد، والجملتان بمنزلة جملة واحدة، فإذا كبّر ثلاثا واثنتين صارت خمسا وترا، فيكون الإيتار بالتكبير بناء على أن الجملتين واحدة.
وهذا والذي قبله من حيث التعليل أقوى.
والمسألة ليس فيها نصٌّ يفصل بين المتنازعين من أهل العلم، وإذا كان كذلك فالأمر فيه سعة، إن شئت فكبّر شفعا، أو وترا، أو وترا في الأولى وشفعا في الثانية.
(الشرح الممتع ٥ / ١٧٠ - ١٧١ مع تصرف واختصار)
قلتُ: لاشك أنَّ الأمر فيه واسع، بل هناك من ذكر غير هذه الصيغ، فقد قال ابن حجر: وأما صيغة التكبير فأصح ماورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبروا الله، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر كبيرا.
( فتح الباري ٣ / ١٤١)
وقال علماء اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز مثله كما في الفتوى رقم: (٦٠٤٣)
قلت :وقد ذهب إمامنا أحمد بن حنبل إلى التكبير شفعًا، لأنَّه المروي عن ابن مسعود.
قال أبو داود في مسائله (٤٢٩): قلت لأحمد: كيف التكبير؟
قال: كتكبير ابن مسعود، يعني: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
قال أحمد: يروون عن ابن عمر: يكبر ثلاثا الله أكبر الله أكبر الله أكبر، قال أحمد: كبر تكبير ابن مسعود.
وقال ابن قدامة عن التكبير شفعا:
وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود.
(المغني ٣ / ٢٩٠)
قلتُ: وهو أولى في التكبير لأنه قول اثنين من الخلفاء الراشدين، وإن كان الأمر واسعًا.

المسألة الرابعة عشرة:
هل يستقبل الإمام القبلة أثناء التكبير أم يستقبل الناس؟
قال في الإقناع وشرحه (٣ /٤١٨):
(ويأتي به ) أي التكبير (الإمام مستقبل الناس) أي يلتفت إلى المأمومين، ثم يكبر لما تقدم أن النبيﷺ (كان يقبل بوجهه على أصحابه ويقول: على مكانكم ثم يكبّر)
قلتُ: الحديث وإن كان فيه ضعف، إلا أن الأدلة تدل على أن النبيﷺ يقول الأذكار مستقبل المأمومين، قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -:
" كان صلى الله عليه وسلم إذا سلم استغفر ثلاثاً، وقال: "اللهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، ومنكَ السلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ" ولم يمكث مستقبِلَ القِبلة إلا مقدارَ ما يقولُ ذلك ، بل يُسرع الانتقالَ إلى المأمومين ، وكان ينفتِل عن يمينه وعن يساره " .
( زاد المعاد ١ / ٢٩٥)

المسألة الخامسة عشرة:
من نسي التكبير، وخرج من المسجد ثم ذكره هل يكبر ؟
اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال لا يكبر، وهم أهل الرأي، ومنهم من قال يُكبّر ولو خرج وبَعُد، لأنه ذكر، ومال إليه ابن قدامة في المغني.
والذي يظهر أنه يُكبِّر وإن خرج، ولكن ما لم يطل الفصل، فتكون سنة فات محلها.

قال في الإقناع وشرحه(٤١٨ / ٣):
(أو يطل الفصل) فلا يقضيه.

المسألة السادسة عشرة:
إذا قام من مكانه ثم ذكر أنه لم يكبر، هل يرجع أم يكبر ماشيًا؟
قال ابن قدامة - رحمه الله -:
وإن ذكره في المسجد عاد إلى مكانه، فجلس واستقبل القبلة فكبَّر؛ وقال الشافعي: يكبر ماشيا وهذا أقْيَس، لأنَّ التكبير ذكر مشروع بعد الصلاة، فأشبه سائر الذكر.
(المغني ٢٩٣ / ٣)
قلتُ: وقول الشافعي أرجح وأظهر في أنه يكفي عن العودة، (وأقْيس) كما ذكر ابن قدامة.
ولكن لو عاد وجلس فهذا أفضل، قال البهوتي - رحمه الله - في كشاف القناع:
لأن فعله جالسًا في مصلاه سنة، فلا تترك مع إمكانها.
(كشاف القناع ٤١٨ / ٣)

المسألة السابعة عشرة:
إذا أحدث بعد الصلاة وقبل التكبير هل يكبّر؟
قال ابن قدامة - رحمه الله -:
قال أصحابنا: وإذا أحدث قبل التكبير لم يكبر عامدًا أو ساهيًا، لأنَّ الحدث يقطع الصلاة عمده وسهوه، وبالغ ابن عقيل فقال: إن تركه حتى تكلم لم يكبر، والأولى إن شاء الله أنَّه يكبر؛ لأنَّ ذلك ذكرٌ منفرد بعد سلام الإمام، فلا تشترط له الطهارة كسائر الذكر، ولأنَّ اشتراط الطهارة إما بنص أو معناه، ولم يوجد ذلك.
(المغني ٢٩٣ / ٣)
قلتُ: والصحيح ما قرره ابن قدامة من عدم اشتراط الطهارة، لعدم وجود الدليل على شرطية الطهارة.


المسألة الثامنة عشرة:
حكم التكبير الجماعي.

قالت اللجنةُ الدائمةُ برئاسة الإمام ابن باز - رحمه الله - في الفتوى رقم:(٩٨٨٧):
(التكبير الجماعي بصوتٍ واحدٍ ليس بمشروع، بل ذلك بدعة؛ لما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ "، ولم يفعله السلف الصالح، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا تابعيهم، وهم القدوة، والواجب الاتباع، وعدم الابتداع في الدين.)
قلتُ: ومما يوقع النَّاس في محذور التكبير الجماعي: التكبير في مكبرات الصوت، فتجد الناس يتبعون المُكبِّرين في المكبرات فيكبرون جماعيًّا!

المسألة التاسعة عشرة:
تلحين وتطريب التكبير.

لاشك أن هذا العمل محدث، ودخل على النَّاس عن طريق الصوفية ومن تأثر بهم.
فالتَّكبير يكون بغير تلحينات وتطريبات، بل يرفع به الصوت عاديًّا.
ومثله بقية الأذكار كأذكار الصلوات، والتلبية، وغيرها.
ولذلك تجد من يلحن هذه التكبيرات ومن يسمعه ينشغل عن معانيها العظيمة إلى الاستمتاع بالأصوات والتنغيمات.
والله المستعان.


فهذه جملةٌ من المسائل، أحسبها نافعة، مذكرة لمن نسيها، معلمة لمن لم يعلمها، ومنبهة لمن غفل عنها.

والله أسأل أن ينفع بها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه: مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
أصل المقال شهر ذي الحجة ١٤٣٨هـ
وتمت الزيادة عليه في:

السادس من شهر ذي الحجة ١٤٣٩هـ