الثلاثاء، 30 يناير 2018

التَّعليق على قول البربهاري: (ولا نُخرج أحدًا من أهل القبْلة من الإسلام.)


التَّعليق على قول البربهاري:
(ولا نُخرج أحدًا من أهل القبْلة من الإسلام.)

﷽

أما بعد:


فقد قال الإمام البربهاري المتوفى (٣٢٩ هـ) - رحمه الله - في شرح السنة:

(ولا نُخرج أحدًا من أهل القبْلة من الإسلام، حتى يردّ آيةً من كتاب الله أو يردّ شيئًا من آثار رسول ﷺ،
أو يذبح لغير الله، أويصلي لغير الله، فإذا فعل شيئًا من ذلك: فقد وَجَبَ عليك أن تُخْرِجَه من الإسلام.)

قلتُ: هذا بيان محكم من هذا الإمام،
فيه تقريرٌ لعقيدة أهل السنَّة، وردٌّ على الطائفتين الضالتين الخوارج والمرجئة.
- ففي قوله:(ولا نُخرج أحدًا من أهل القبْلة من الإسلام):
عدم التكفير بالذنوب والمعاصي التي هي دون الشرك الأكبر والكفر الأكبر، وهذا ردٌّ على الخوارج الذين يُكفرون بالذنوب والمعاصي التي دون الشرك الأكبر والكفر الأكبر.

- وفي قوله: (حتى يردّ آيةً من كتاب الله أو يردّ شيئًا من آثار رسول ﷺ، أو يذبح لغير الله، أويصلي لغير الله، فإذا فعل شيئًا من ذلك: فقد وَجَبَ عليك أن تُخْرِجَه من  الإسلام.)
التكفير بالشرك الأكبر والكفر الأكبر وجوبًا، وهذا ردٌّ على المرجئة الذين لا يُكفِّرون بالشرك الأكبر والكفر الأكبر إذا كان فاعلهما يقول:
لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتقول المرجئة: فعله كفر وليس بكافر حتى يجحد بقلبه، ويصر ويعاند!!!!
وأي إسلام يبقى مع من يدعو غير الله، ويرد كتاب الله وسنة رسولهﷺ.
فلا إله إلَّا الله ليست كلمةً تُقال فقط دون التزامٍ لمعناها، فمن قالها ثم فعل ما يناقضها فإنَّه ليس من أهلها، وإن رددها ألف مرة!

وفي قول البربهاري: (فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام):
بيان أن تكفير الكافر والمشرك من الواجبات، بل لا يصح إسلام العبد إلّا بتكفير الكافرين والمشركين، لأنَّ التكفير شطر كلمة التوحيد،
وهذا يستوي فيه العالم والعامي، لأنَّ هذا أصل الدين.
فلا يقل أحدٌ: أنا لا أُكَفِّر أحدًا، بل يجب عليك تكفير المشركين والكافرين الذين كفرهم ظاهر جلي، كدعاء غير الله، والذبح لغير الله، ومن يستهزئ بالدين، ومن ينكر ضروريات الإسلام وهو بين المسلمين، ونحو ذلك.
وفي قول البربهاري: ( فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام):
دليل على أنَّ هذا في المرتد، وهو الذي كفر بعد إسلامه بارتكابه هذه النواقض، وهذا ردٌّ على المرجئة الذين يصرفون ألفاظ الكتاب والسنة وكلام العلماء إلى الكفار الأصليين دون المرتدين بارتكاب النواقض!

ويستفاد أيضًا من كلام البربهاري - رحمه الله تعالى -:
 عدم اشتراط البيان قبل التكفير، بل هذه المسائل يكفر صاحبها بمجرد فعلها، لأنها ظاهرة جلية.
وهذا معتقد أهل السنة في هذا الباب.
وأما الاستتابة وإقامة الحدود على المرتد فهذه لولي الأمر ومن ينوبه، أما نحن فالواجب علينا دينا واعتقادا أن نُكفِّر المشركين والكافرين، سواء أقيم الحد أو لم يقم، فهذا ليس شأننا، وإنما شأن ولاة الأمر، ففرق بين الأمرين.
فهذا تعليق يسير على هذه العبارة الجزيلة من هذا الإمام، وإلا فالمقام يحتاج إلى بسط، ولكن هذا لطيف الإشارة على جميل العبارة،
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
الثلاثاء ١٣ جمادى الأولى ١٤٣٩هـ

السبت، 27 يناير 2018

من المنكرات: مسابقات مزاين الإبل.


من المنكرات: مسابقات مزاين الإبل.


﷽

أما بعد:

فإن مسابقات مزاين الإبل شر وبلاء، لما فيها من منكرات كثيرة عديدة، وقد قلّ إنكارها بين الناس، فلذلك وجب بيانُ شيءٍ من منكراتها، تحذيرًا ونصحًا ومعذرةً، فمن أبرز المنكرات الظاهرة:

١ - الإسراف والتبذير العظيم الذي يحدث فيها، وقد قال سبحانه: ﴿وَكُلوا وَاشرَبوا وَلا تُسرِفوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفينَ﴾ [الأعراف: ٣١
وقال سبحانه:  ﴿ولا تُبَذِّر تَبذيرًا ۝ إِنَّ المُبَذِّرينَ كانوا إِخوانَ الشَّياطينِ وَكانَ الشَّيطانُ لِرَبِّهِ كَفورًا﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧]
ولا يخفى على ذي بصيرة مايُصرف في هذه المزاين من الأموال الطائلة، والتبذير الكبير في النعم، التي يُراد في كثير منها المباهاة والمفاخرة.


٢ - العصبية الجاهلية، والحمية الباطلة، والتفاخر بالأنساب، والحطُّ من الغير، وهذه كلها محرمة مذمومة، بالنصوص الشرعية.
فالله جعل في كتابه التفاضل بالتقوى لا بالحسب والنسب، قال سبحانه:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]
وقالﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ»
رواه أبو داود وحسنه الألباني.


٣ - أنها من الميسر الذي حرمه الله عز وجل، وذلك لأنها ليست من المسابقات التي يجوز أخذ العوض عليها، فقد جاء في الحديث عن النبيﷺ:
(لا سبق إلاَّ في خف وحافر ونصل.)
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم
والخف: الإبل.
الحافر: الخيل.
النصل: الرمي.
والمقصود بالإبل السباق عليها، لا التسابق على زينها وجمالها، ففرق بين الأمرين.
فإذن: صرف الأموال في هذه المزاين صرفٌ للمال في الباطل، والمرء مسؤول عن ماله يوم القيامة، كيف اكتسبه وفيما أنفقه؟
فليعد هؤلاء الذين يصرفون أموالهم في هذه الأباطيل جوابًا عندما يقفون بين يدي الله.
وعليه: فلا يجوز حضور هذه المزاين إلا لمن ينكر ويبين الحكم الشرعي، ولا يجوز المعاونة على إقامته، ولا المشاركة فيه.

وأختم هذه الرسالة بفتوى سماحة شيخنا العلامة صالح الفوزان - حفظه الله -.

قال شيخنا عندما سئل عن المزاين:
لا يجوز المشاركة في ذلك، لما فيه من المنكرات من بذل الأموال الطويلة بغير فائدة، والله جل وعلا قال: ( يا أيها الذين أمنو لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضً منكم ) ولا يجوز أخذ العوض على المسابقات لأنه قمار إلا ماأستثناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: [ لا سبق إلا في ثلاث: في نصل أو خف أو حافر ] والمراد في ذلك المسابقة على الخيل أو على الأبل أو على الرماية لأجل التدرب على الجهاد في سبيل الله، وما عدا ذلك لا يجوز أخذ الجوائز عليه من المسابقات، لأنه أكل المال بالباطل، وهو داخل في الميسر وهو القمار.
وهذا رابط صوتي للفتوى:
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
ليلة الأحد ١١ / ٥ / ١٤٣٩ هـ

الاثنين، 1 يناير 2018

وقفات مع ارتفاع الأسعار.

وقفات مع ارتفاع الأسعار.

﷽



أما بعد:


لاشك أنَّ ارتفاع الأسعار من المصائب التي تُكدر على الانسان عيْشَه، وتُضيق عليه رزقَه، وهذه وقفاتٌ مع هذه الارتفاعات، أرجو من الله نفعها.

الوقفة الأولى: نقص الأموال من البلاء، والواجب الصبر.

قال تعالى: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأَموالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرينَ ۝ الَّذينَ إِذا أَصابَتهُم مُصيبَةٌ قالوا إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعونَ ۝ أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رَبِّهِم وَرَحمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ المُهتَدونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧]
فلا شك أنَّ من البلاء: نقص الأموال كما ذكر الله عز وجل في الآية السابقة، ومقابلة هذه المصائب تكون بالصبر والاسترجاع، كما أمر الله عز وجل في الآية السابقة.

الوقفة الثانية: أن الجزاء من جنس العمل.

إنَّ هذه المصائب جاءتنا بسبب ذنوبنا ومعاصينا، فإنَّه مانزل بلاءٌ إلَّا بذنب، ولا رُفع إلَّا بتوبة.

قال تعالى:﴿ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ وَالبَحرِ بِما كَسَبَت أَيدِي النّاسِ لِيُذيقَهُم بَعضَ الَّذي عَمِلوا لَعَلَّهُم يَرجِعونَ﴾ [الروم: ٤١]

وقال تعالى:
﴿وَما أَصابَكُم مِن مُصيبَةٍ فَبِما كَسَبَت أَيديكُم وَيَعفو عَن كَثيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]

وقال تعالى:
﴿أَوَلَمّا أَصابَتكُم مُصيبَةٌ قَد أَصَبتُم مِثلَيها قُلتُم أَنّى هذا قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]

فهذه الآيات تدل على أن الذنوب والمعاصي سبب المصائب، وهي ميراثها، وعاقبتها، فهل نحن متعظون؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كلامه عن ارتفاع الأسعار:
(فالغلاء بارتفاع الأسعار، والرخص بانخفاضها، هما من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله وحده، ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته وقدرته، لكن هو سبحانه قد جعل بعض أفعال العباد سبباً في بعض الحوادث، كما جعل قتل القاتل سبباً في موت المقتول، وجعل ارتفاع الأسعار، قد يكون بسبب ظلم العباد، وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان بعض الناس)
(الفتاوى ٥٢١ / ٨)

ومن جملة المعاصي التي لها تعلق بالأرزاق، ووقع فيها كثيرٌ من النَّاس: الإسرافُ والتبذيرُ في الولائم والحفلات، والمباهاةُ والتفاخرُ بنعم الله، وغير ذلك مما وقع فيه كثير من الناس.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَت أَيديكُم وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلّامٍ لِلعَبيدِ﴾ [الأنفال: ٥١]
فإن نسي العبد مافعل، فإن ماقدمه سيواجه عاقبته، فهو محفوظ في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد تكون عقوبته عاجلة، وقد تكون متأخرة، وقد تكون في العاجلة والآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.
فالواجب الرجوع إلى الله، والتوبة إليه، وعدم التمادي في معاصيه.

الوقفة الثالثة: المصائب تقابل بالتوبة والتضرع، ولا تقابل بالسخرية والتنكيت.

إن من أعظم المصائب غفلة القلوب عن الحكمة من وقوعها، وهي التي بيَّنها الله في كتابه، وهي: التوبة والرجوع إليه، والتضرع بين يديه.
ومن قسوة القلوب: مقابلة المصائب بمقاطع الضحك والسخرية، ونشر النكت، والتندر بالواقع.
وهذا خلاف المأمور! قال تعالى:
﴿فَلَولا إِذ جاءَهُم بَأسُنا تَضَرَّعوا وَلكِن قَسَت قُلوبُهُم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ ما كانوا يَعمَلونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]
فالواجب الدعاء والتضرع والرجوع إلى الله، وبذلك أمر الرسولﷺ.
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله سعِّر لنا ، فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعِّر لنا ، فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة.)
رواه أبو داود من حديث أبي هريرة.

الوقفة الرابعة: لابد من الصبر في المنشط والمكره وفي الأثرة.

إن المسلم مأمور بالصبر عند الاستئثار بالمال، ووقوعه عليه، فقد جاء في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -:
بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.)
رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
وقال ﷺ:
إنَّها ستكون بَعدي أثرةٌ وأمورٌ تُنْكِرُونَها !قَالوا: يا رسولَ اللهِ، فمَا تَأمرنا؟
قال: تؤدُّونَ الحقَ الَّذي عَلَيكُم ، وَتَسْألونَ اللهَ الَّذي لكُم.)
متفق عليه.

وقالﷺ:
إنَّكُم سَتَلقَونَ بَعْدِي أَثرةً ، فاصْبِرُوا حتَّى
تَلقَونِي عَلىٰ الحَوض.)
متفق عليه.

فحصول الأثرة، ووقوع الضيق في الرزق، لا يجعلنا ننزع يد الطاعة، ونقع فيما وقع فيه من حولنا، فحلت عليهم النكبات، وتأزمت عليهم الأزمات!
فالواجب الصبر مع الدعاء والتوبة.
أقول ذلك لأنَّنا نرى من يطالب صراحةً أو يلمح تلميحًا إلى الخروج احتجاجًا، والمظاهرة اعتراضًا، وكل ذلك خلاف ما أُمرنا به، بل هذا كالهارب من الرمضاء إلى النار.

الوقفة الخامسة: وقوع المصيبة لا ينسينا النِّعم الكثيرة.

إنَّه مع وقوع مثل هذه المصائب ينسى المرء ماعنده من النعم، ويغفل عن كثرة الآلاء والمنن، فنحن نعيش في خير ولا زلنا، وإن تكدرت بعض نعمنا، فهذا لا ينسينا نعمًا شتى، لا نحصيها عدًّا.
من أعظمها: الإيمان والأمان، والتوحيد والاطمئنان.
فواجب شكر الموجود، والله يأتينا بالمفقود؛ قال تعالى:
﴿وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]


الوقفة السادسة: تعليق القلوب بالله.

يجب أن تُعلق القلوب بالله في جلب الأرزاق، ودفع الآفات ورفعها، فالله عز وجل تكفل برزق عباده، قال تعالى:
﴿وَما مِن دابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلّا عَلَى اللَّهِ رِزقُها وَيَعلَمُ مُستَقَرَّها وَمُستَودَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبينٍ﴾ [هود: ٦]
وقال ﷺ: لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها.
فرزقك محفوظ، وفي الكتاب مكتوب، وماعليك سوى التوكل على الله وبذل الأسباب المشروعة، وإحسان الظن بالله، فهو الرزاق ذو القوة المتين، في كل وقت وحين.
قيل لأبي حازم سلمة بن دينار - رحمه الله -: « يَا أَبَا حَازِمٍ أَمَا تَرَى قَدْ غَلَا السِّعْرُ، فَقَالَ: وَمَا يَغُمُّكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ إِنَّ الَّذِي يَرْزُقُنَا فِي الرُّخْصِ هُوَ الَّذِي يَرْزُقُنَا فِي الْغَلَاءِ »
 (حلية الأولياء ٢٣٩ / ٣)


فهذه وقفاتٌ أسأل الله أن ينفع بها، وأسأله سبحانه أن يدفع ويرفع عنا الغلا والوباء والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ اللهم إنَّا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

🖋كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.

الاثنين ١٤ / ٤ / ١٤٣٩ هـ

الجمعة، 22 ديسمبر 2017

الرَّدُّ على عبارة: صلّوا على من بكى شوقا للقياكم.

الرَّدُّ على عبارة: صلّوا على من بكى شوقا للقياكم.


﷽


أما بعد:



فإنَّه تنتشر في وسائل التواصل خصوصًا ليلة الجمعة ويوم الجمعة هذه العبارة:
صلو على من بكى شوقاً لـ لقياكم.)
والرد على هذه العبارة ونحوها:
إنَّه لم يثبت عن النَّبيِّﷺ لفظ الاشتياق والبكاء، وإنما ثبت عنه ﷺ أنَّه ودّ لو رأى إخوانه.
فأما لفظ الاشتياق فجاء بأسانيد لم تصح كما عند ابن عساكر في تاريخه والقشيري في رسالته وغيرهما، فهي أسانيد فيها من هو متهم بالكذب.
وأما لفظ البكاء فلم يرد عنهﷺ.

وأما الثابت عنهﷺ فهو مارواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ :
أتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ . وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا . قَالُوا : أَوَ لَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ . فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ، أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ، أُنَادِيهِمْ : أَلا هَلُمَّ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا.

فهذا الثابت عنهﷺ وليس فيه أنَّه بكى، وليس فيه لفظ الاشتياق.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.

الجمعة ٤ / ٤ / ١٤٣٩ هـ


الأحد، 17 ديسمبر 2017

الأرزاق تستجلب بالطاعات والمراضي، لا بالسيئات والمعاصي.

الأرزاق تستجلب بالطاعات والمراضي، لا بالسيئات والمعاصي.

﷽

الحمد لله القائل: ﴿وَما مِن دابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلّا عَلَى اللَّهِ رِزقُهَا﴾، والصلاة والسلام على نبيه محمد القائل: لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلُ رِزْقهَا.

أما بعد.
فإنَّ من المتقرر اليقيني أنَّ الله تكفل برزق مخلوقاته، وأمر بالتوكل عليه، وبذل الأسباب في طلب الرزق، وشرع طرق الكسب الحلال ووعد الإثابة عليه، ومنع طرق الكسب الحرام وتوعد العقوبة عليه.
ولذلك كان العبد مسؤلًا يوم القيامة عن ماله كيف كسبه، وفيما أنفقه؟
فليعد العبد لهذين السؤالين جوابًا، وليكن الجواب صوابًا.
عن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن [أربع]: عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه فيمَ فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه))؛ رواه الترمذي وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: ( إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ). وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) رواه مسلم.

وعليه فإنَّ الإنسان مأمور بأكل الحلال الطيب، وتحصيله بالكسب المشروع، واستجلابه بالتقوى والمراضي، لا بالسيئات والمعاصي.
فإن التقوى سبب الخيرات، والمعاصي سبب الأزمات والنكبات.
وهذا هو قول من يؤمن بالله حق الإيمان، ويؤمن بوعد الله - عزَّ وجلَّ - لعباده إن اتقوه أن يرزقهم ويفتح عليهم من بركاته، أما أهل النفاق والشك والريب ومن تبعهم، فإنَّهم يؤمنون بوعد الشيطان وأتباعه، ويخافون ما يُخوّفهم به من الفقر، فيستجلبون الأرزاق بالمعاصي، ويجعلون فعل المنكرات وأكل ثمنها من وسائل الكسب!
﴿الشَّيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ وَيَأمُرُكُم بِالفَحشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغفِرَةً مِنهُ وَفَضلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]
وقد حاول أهل الزندقة والنفاق، وأهل الفسق والانحراف، جرَّ المجتمع إلى الإيمان بوعد الشيطان (الفقر) وتشريعهم جلب المال عبر الطرق المحرمة، من أجل تطبيعهم على ذلك!
ومن ذلك: خروج بعض الكتّاب والصحفيين إلى تقرير أن دور السينما، ودخول النساء الملاعب، والمكوس، وغيرها من المنكرات، هي سبب رفع الاقتصاد، وتنمية المال!
نعوذ بالله من حالهم، ونبرأ إليه من مقالهم.
أفلا يعلم هؤلاء الذين ينادون بالكسب المحرم، أن أزّمة الأمور بيد الله، يخفض ويرفع، ويبسط ويقبض، إذا شاء عاقبهم، وسلبهم ما أنعم به عليهم، بسبب ذنوبهم ومعاصيهم!!!
فوالله العظيم لو آمنوا بالله حق الإيمان، لصدَّقوا وعملوا بوعده سبحانه:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا ۝ وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]
فتقوى الله سبب الأرزاق، ونزول الخيرات والبركات.
قال سبحانه:
﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]
فالإيمان والتقوى تُفتح بسببهما بركات السماء والأرض، وعكس ذلك سبب العذاب والهلاك والدمار.
فأين هؤلاء من هذه الآيات العظيمة؟!

فالمعاصي سبب الحرمان، وطريق الخسران، ولنا فيما حصل لليهود عبرة، فالله حرّم عليهم الطيبات بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وعندنا من ينادي بالمعاصي جلبًا للأرزاق!!! فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
قال تعالى:
﴿فَبِظُلمٍ مِنَ الَّذينَ هادوا حَرَّمنا عَلَيهِم طَيِّباتٍ أُحِلَّت لَهُم وَبِصَدِّهِم عَن سَبيلِ اللَّهِ كَثيرًا ۝ وَأَخذِهِمُ الرِّبا وَقَد نُهوا عَنهُ وَأَكلِهِم أَموالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ [النساء: ١٦٠-١٦١]
حُرِّمت عليهم طيبات بسبب:
        ⁃      صدهم عن سبيل الله.
        ⁃      أخذهم الربا.
        ⁃      أكل أموال الناس بالباطل.              فهي ذنوب وسيئات، حرمتهم أكل الطيبات.                                          
فهل يعقل هؤلاء؟؟؟

وقال سبحانه:
﴿وَأمُر أَهلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصطَبِر عَلَيها لا نَسأَلُكَ رِزقًا نَحنُ نَرزُقُكَ وَالعاقِبَةُ لِلتَّقوى﴾ [طه: ١٣٢]
قال ابن كثير - رحمه الله -:
يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب. )
قلتُ: فدّل ذلك على أنَّ الأرزاق تُستجلب بالمراضي لا بالمنكرات والمعاصي.

ولما خاف من خاف من هلاك التجارة إذا مُنع المشركون من المسجد الحرام كما في قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِنَّمَا المُشرِكونَ نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرامَ بَعدَ عامِهِم هذا﴾
أنزل الله قوله:
 ﴿وَإِن خِفتُم عَيلَةً فَسَوفَ يُغنيكُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ إِن شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ حَكيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]
قال ابن كثير - رحمه الله -:
قال محمد بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبن عنا ما كنا نصيب فيها من المرافق فنزلت: ﴿وَإِن خِفتُم عَيلَةً فَسَوفَ يُغنيكُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ إِن شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ حَكيمٌ﴾ )
وقال ابن العربي - رحمه الله - في أحكام القرآن:
المعنى: إذا خفتم الفقر بانقطاع مادَّة المشركين عنكم بالتجارة التي كانوا يجلبونها فإن الله يعوضكم عنها. )

قلتُ: فالله عزَّ وجلَّ عندما أمر بمنع المشركين من دخول الحرم، وخاف من خاف من انقطاع السوق، وهلاك التجارة، وحصول العَيْلة وهي: (الفقر)، طمأنهم بأنه سيرزقهم من فضله، فعوضهم بأخذ الجزية، ونصرهم على القوم الكافرين؛ وظهر دينه على الناس أجمعين،
فحصلت لهم الخيرات والبركات.
وفي هذا دلالة واضحة أن الواجب علينا إلتزام شرع الله، والله بفضله وكرمه يجود علينا من واسع رزقه.
وأن لا نخاف من نزول الاقتصاد إذا طبقنا شرعه، فالأرزاق من ميراث التقوى.

وقد جاء في السنَّة النبويَّة ما يؤكد المعاني السابقة، بأن الأرزاق تُستجلب بالطاعات والمراضي، لا بالمنكرات والمعاصي.
روى ابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول اللهﷺقال : " لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب، أخذ الحلال وترك الحرام."
وعنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللهﷺ: " يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم " رواه ابن ماجه، واللفظ له، والحاكم، وقال: على شرط مسلم .
وأخرج الحاكم من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺقال : ليس من عمل يقرب من الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه ، فلا يستبطئن أحد منكم رزقه، فإن جبريل ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله تعالى، فإن الله لا ينال فضله بمعصيته.)
فهذه الأحاديث عظيمة فيها:
أن الرزق مكتوب مقدّر.
وأن التقوى سبب الأرزاق.
وأن الإنسان لا يستبطئ الرزق فيستجلبه بالمحرمات.


وليعلم من يحاد الله ورسوله، بترويجه للكسب المحرم، ويجعله من أسباب ارتفاع الاقتصاد، أن الكسب الحرام مانع من قبول الصدقة، قال رسول الله ﷺ: ( إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا)
رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
ومانع من قبول الدعاء، جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - السابق:
ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء ، يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له.)

وأنه - الكسب الحرام - ممحوق البركة في الدنيا، ومن أمثلة ذلك:
قال تعالى عن الربا - وهو كسب محرم -:
﴿يَمحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُربِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]
وقال النبيﷺ:(البيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما.) متفق عليه من حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه -.
وقال النبيﷺ: (اليمين الفاجرة مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقٌةٌ للكسب)
رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقٌةٌ للبركة.)
رواه البخاري ومسلم.

فهذه أمثلة، وإلا فإن الكسب المحرم ممحوق البركة بكل صوره.

وهو موجب العذاب في الآخرة: قالﷺ:(لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) رواه الترمذي من حديث كعب بن عجرة وحسنه، وصححه الألباني.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
(الطَّعام يُخَالِطُ البدن وَيُمَازِجُهُ وَيَنْبُتُ منه فيصير مادَّةً وَعُنْصُرًا له، فإذا كان خبيثًا صار البدن خبيثًا فَيستوجب النّار؛ ولهذا قَالَ النَّبِيُّﷺ: "كُلُّ جِسْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى به."
والجنة طيِّبة لا يدخلها إلا طيّبٌ. انتهى .)
(مجموع الفتاوى ٥٤١ / ٢١)
فالكسب الحرام خبيث مؤثر على الفرد والمجتمع معنويا وحسيا في الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.

وأختم هذه الرسالة المختصرة لمن يقول: إنه حصلت فوائد مالية، ولم تحل العقوبات، بكلام عظيم للعلامة العثيمين - رحمه الله - في خطبة له بعنوان: ماذا تسبب المعاصي حيث قال:

إنَّ كثيرًا من النَّاس يشك أو يتشكك في كون المعاصي سببًا للمصائب وذلك لضعف إيمانه وقلة تدبره لكتاب الله عز وجل، وإني أتلو على هذا وأمثاله قول الله عز وجل: ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ ۝ أَفَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا بَياتًا وَهُم نائِمونَ ۝ أَوَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا ضُحًى وَهُم يَلعَبونَ ۝ أَفَأَمِنوا مَكرَ اللَّهِ فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الخاسِرونَ﴾ [الأعراف: ٩٦-٩٩]
قال بعض السلف: إذا رأيت الله ينعم على شخص ورأيت هذا الشخص متماديا في معصيته، فاعلم أن ذلك من مكر الله به، وأنه داخل في قوله تعالى :﴿سَنَستَدرِجُهُم مِن حَيثُ لا يَعلَمونَ ۝ وَأُملي لَهُم إِنَّ كَيدي مَتينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢-١٨٣]
أيها المسلمون، يا عباد الله: والله إن المعاصي لتؤثر في أمن البلاد وتؤثر في رخائها واقتصادها وتؤثر في قلوب الشعب. انتهى)
قلتُ: ولكن أكثرهم لايعقلون!

فيا من يؤمن بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]
صدِّق بوعده سبحانه:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا ۝ وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]
ولا تلتفت إلى وعد الشيطان وحزبه:
﴿الشَّيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ وَيَأمُرُكُم بِالفَحشاءِ﴾
فبهذا تحل البركات، وتتنزل الخيرات.
فالمراضي سبيل قويم، والمعاصي طريق وخيم.
فهذا ماتيسر كتابته في هذه الرسالة المختصرة، قاصدا بها التذكرة، والخروج من معرة الكتمان الخاسرة.

فالَّلهُمَّ اغْنِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكِ، وَبِفَضْلِكَ عَمَنْ سِوَاك.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِنا دِينِنا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشِنا، وَأَصْلِحْ لِنا آخِرَتِنا الَّتِي فِيهَا مَعَادِنا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِنا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.

الأحد ٢٩ / ٣ / ١٤٣٩هـ