الاثنين، 28 يناير 2019

الرد على الريس في طريقة تكفيره لساب الله، ولجعله شبهة المشركين الأوائل شبهة معتبرة لعبَّاد القبور.




الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون؛ وأنزل كتابه بيانا وإنذارا، وحجة وإعذارا، فقامت الحجة، وانقطعت المعذرة.
وصلى الله وسلم على خير المرسلين، الذي أقام الدين، وبلغ البلاغ المبين، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

أما بعد:
فقد استمعت لمقطع مرئي للدكتور عبد العزيز بن ريس الريس، في محاضرة له بدولة الكويت بتاريخ ٢٥ربيع الثاني ١٤٤٠هـ
يقرر فيها عدم عذر ساب الله لأنه ينافي المحبة والتعظيم، ويعذر عباد القبور الذين جعلوا بينهم وبين الله وسائط لأنهم قصدوا التعظيم!
ولي مع هذا التقرير الإرجائي وقفات، وهي مختصرة، والمراد منها التنبيه على خطورة هذا التقرير، والحذر من هذه العقيدة المضادة لعقيدة السلف، المحادة لكتاب الله وسنة رسوله.



الوقفة الأولى:
قرر الريس كفر ساب الله وعدم عذره بالجهل، وهذا حق لا مرية فيه، ولكن المشكلة في منشئ التكفير، فهو جعل المرجع في ذلك عدم التعظيم والمحبة، وليس كونه كفرًا ظاهرًا، فعاد تكفيره إلى القلب!
كما يقرر المرجئة التكفير بالقلب والقصد.
بينما أهل السنة يُكَفّرون بالأمرين، ولذلك من مقتضى كون الإيمان قولًا وعملًا عند أهل السنة، يَكْفُر سابُّ الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: وإن من سب الله أو رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواءً كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.أهـ)
الصارم المسلول [ ٣٦٦ ط: دار الكتب العلمية]

قلتُ: فتبيَّن الفرق بين تكفير أهل السنة للساب، وبين تكفير الريس له.

وحصر الريس تكفير الساب بكونه ينافي التعظيم، وأن عابد القبر معذور لأنه يقصد التعظيم، هو مذهب غلاة المرجئة الذين حصروا التكفير بالقلب والقصد!
وهذا مذهب باطل، ترده نصوص الكتاب والسنة، وإجماع علماء السنة، ولذلك
يقول شيخ الإسلام - رحمه الله -:
"وبالجملةِ فمن قال أو فعل ماهو كفرٌ كَفَرَ بذلك، وإن لم يقصد أن يكونَ كافرًا؛ إذْ لا يقصد الكفرَ أحدٌ إلّا ماشاء الله."
 الصارم المسلول
[١٢٨ ط: دار الكتب العلمية]

وتقرير الريس ردٌّ على كتاب الله وسنة رسول الله، ولعلي أكتفي بثلاث آيات فقط تدل على ما ذكرنا من عدم اشتراط القصد بكون الفعل كفرًا، وعدم نفع التعظيم دون التزام التوحيد، بل المهم هو قصد الفعل عند أهل السنة.
قال تعالى:﴿فَريقًا هَدى وَفَريقًا حَقَّ عَلَيهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطينَ أَولِياءَ مِن دونِ اللَّهِ وَيَحسَبونَ أَنَّهُم مُهتَدونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]
قال ابن جرير:
إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة ، إنما ضلوا عن سبيل الله وجاروا عن قصد المحجة ، باتخاذهم الشياطين نصراء من دون الله ، وظهراء جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك ، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق ، وأن الصواب ما أتوه وركبوا .

وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها ، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها ، فيركبها عنادا منه لربه فيها . لأن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد ، وفريق الهدى ، فرق . وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية .أهـ)
قلتُ: لكن المرجئة جمعوا المتناقضات؛
وكذبوا على الله!
فجعلوا من حقت عليه الضلالة من أهل الهداية!!

وقال تعالى: ﴿أَفَمَن زُیِّنَ لَهُۥ سُوۤءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَناۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَیۡهِمۡ حَسَرَ ٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]

قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسنًا فحسب سيىء ذلك حسنًا، وظن أن قبحه جميل، لتزيين الشيطان ذلك له.أهـ)

ومما يدل على أن مجرد المحبة والتعظيم لا تفيد شيئا في الذي يفعل الشرك الأكبر قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دونِ اللَّهِ أَندادًا يُحِبّونَهُم كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذينَ آمَنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ...
إلى قوله:
وَما هُم بِخارِجينَ مِنَ النّارِ﴾
 [البقرة: ١٦٥-١٦٧]
فأثبت الله لهم محبة له، ومع ذلك حكم عليهم بالخلود في النار، لأنهم مشركون.
وغيرها من الآيات كثير.
ونحن نسأل الريس ومن سلك هذا السبيل المنحرف عن صراط الله:
هل عابد القبر من أهل الهدى أو من أهل الضلالة؟
فإن قلتَ هم من أهل الهداية فقد صححتَ الشرك وعبادة غير الله، وهذا أعظم الكفر، وإن قلت من أهل الضلالة فقد شهدت على نفسك بضلال مذهبك، لأنهم إن كانوا ضالين فالآية تنطبق عليهم وليسوا معذورين بنص القرآن.
والناس كما في الآية قسمان:
فريق هداه الله، وفريق حقت عليه الضلالة؛ لا ثالث لهما.
فتأمل!

الوقفة الثانية.
قرر الريس - بعد أن كفّر الساب على طريقته الإرجائية - عُذْرَ عباد القبور بالجهل، لأن عباد القبور عندما يذبحون لغير الله يكونون معذورين، لأنهم فعلوا ذلك تعظيمًا لله!!!
فتكون عندهم شبهة فيُعذرون!!!
سبحان الله عما يصفون!
وسبحان الله عما يشركون!
وسبحان الله عما يقرره المرجئة المعاصرون!
فالرد عليه من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذه عين شبهة المشركين الأوائل، ومع ذلك كفرهم الله، فكيف يُقال بأنها شبهة معتبرة، والله عز وجل لم يجعل لها اعتبارا في كتابه؟!!
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر]

وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾[الأنعام]

فالله سبحانه سماهم في الآيتين كاذبين كافرين، ولغير الله عابدين، مع أنهم جعلوا هذه الوسائط بينهم وبين الله بحجة أنها أقرب إلى الله، تعظيمًا له سبحانه!!
بل إن الله - جل في علاه - ذكر في نفس السورة التي فيها الآية الأولى في سورة الزمر أن المشركين جاهلون ولا يعلمون، ومع ذلك هم مشركون كافرون.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَل يَستَوِيانِ مَثَلًا الحَمدُ لِلَّهِ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمونَ﴾ [الزمر: ٢٩]
وقال تعالى: ﴿قُل أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأمُرونّي أَعبُدُ أَيُّهَا الجاهِلونَ﴾ [الزمر: ٦٤]
فكيف يُعتذر لمن كفرهم الله، وكيف يُعتذر لمن جعل شبهة كفار قريش حجةً له؟!!
سبحان الله وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
قال شيخنا العلامة صالح الفوزان - حفظه الله -:
" ومن الشبه التي تعلقوا بها : قضية الشفاعة؛ حيث يقولون: نحن لا نريد من الأولياء والصالحين قضاء الحاجات من دون الله، ولكن نريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله ؛ لأنهم أهل صلاح ومكانة عند الله؛ فنحن نريد بجاههم وشفاعتهم .
والجواب: أن هذا هو عين ما قاله المشركون من قبل في تسويغ ما هم عليه، وقد كفَّرهم الله، وسمَّاهم مشركين ؛ كما في قوله تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ )أهـ.
الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد [ص ٧٠ - ٧١]

فإن قالوا هذه الآيات في الكفار الأصلين دون المرتدين، فيقال لهم: سبحانك هذا بهتان عظيم!!
فإن الله عز وجل لم يذكر أنها خاصة بالكفار الأصلين دون المرتدين، بل هذا حكمٌ في كل من عمل هذا العمل، والقول بأن الآيات في الأصليين دون المرتدين، تحريفٌ للكلم عن مواضعه، وكذبٌ على الله ورسوله، وتحكم في كتاب الله، وقول بغير علم، وطريق هلاك وضلال.
ولذلك العلماء لم يفرقوا في الحكم في الذي يفعل الشرك بين مرتد وأصلي بالإجماع، بل اسم الشرك يلحق كل من وقع فيه، كما سيتبين في الوجه الثاني.

الوجه الثاني:
من قال من أهل السنة إن الذين يتخذون وسائط بينهم وبين الله ليسوا كفَّارًا لكونهم يعظمون الله؟!!
من سبق الريس بهذه الطامة، التي جعلت من شبهة المشركين الأوائل شبهة معتبرة؟!!
لم يسبق أحدٌ من أهل السنة الريس في هذه الطامة - وحاشاهم منها -.
فلذلك من عرف الرجل وتقريراته، علم أنه يُحدث قواعد من عنده، وتقريرات من فهمه، وينسبها للسنة، وبعد ذلك تقوم قيامة الولاء والبراء على ما أحدث، عنده وعند أتباعه!!!
بل إن أهل السنة أجمعوا على كفر هؤلاء من غير إعذارهم بكونهم يعظمون الله بفعلهم، فكفار قريش كان هذا مقصدهم ولم ينفعهم.
بل إن أهل السنة سموا عاذرهم ضالا، ومرجيا، وهذه بعض النقول، من الأئمة الفحول، في هذه المسألة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى [١/ ١٢٦]:
"وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم والناس يسألونهم، أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج. فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أندادًا".

وقال: "فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين".
مجموع الفتاوى [١/ ١٢٤]

فهنا شيخ الإسلام نقل الإجماع على كفرهم، ولم يذكر التعريف قبل التكفير، بل جعل الاستتابة بعد وصفهم بالشرك والكفر، فالتعريف في الشرك يكون لإقامة العقوبة فقط.

وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٤ /٥٤ وهو في الانتصار لأهل الأثر ص٧٧:
 وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال : إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين؛ بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم بُعِث بها وكفر مخالفها؛ مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك؛ فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك.أهـ)

قلتُ: فهذا نقل صريح من شيخ الإسلام في التفريق بين الخفي والظاهر، وعدم اعتباره اتخاذ الوسائط والشرك بعمومه مسألة خفية تقام فيها الحجة!
فتعسًا لمذهب المرجئة، كيف يعرف اليهود أن النبي ﷺ جعل اتخاذ الوسائط شركاً بالله، وكفّر فاعلها، وجهل ذلك المرجئة.


وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسالته نواقض الإسلام، - ونواقض الإسلام تكون فيمن ينتسب للإسلام -:
الناقض الثاني:
من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، كفر إجماعًا.)
وقال في آخر النواقض: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره. أهـ)
فانظر إلى تقرير أئمة التوحيد في هذه المسألة: التكفير بالإجماع، وعدم العذر إلا للمكره فقط.
بل إن الفقهاء في باب المرتد لا يذكرون التعريف في الشرك، لأن صاحبه يكفر مباشرةً، وهذا مثال على ذلك:
قال الحجاوي في الزاد:
باب حكم المرتد: وهو الذي يكفر بعد إسلامه، فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو اتخذ لله صاحبة وولدا، أو جحد بعض كتبه أو رسله، أو سب الله أو رسوله فقد كفر.)
قلتُ: انظر لم يذكر التعريف هنا، وإنما حكم بالكفر مباشرة.
بينما بعد أن ذكر السمعيات ذكر التعريف بشرط أن يكون مثله يجهل، فقال:
ومن جحد تحريم الزنا، أو شيئا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها بجهل عُرّف ذلك، وإن كان مثله لا يجهله كفر. أهـ)

والفقهاء تناقلوا جملة شيخ الإسلام في كتب الفقه إقرارا لها، وهي قوله بتكفير من اتخذ الوسائط إجماعا مع عدم ذكر التعريف في هذا الموضع.
ولم يعتذروا لعباد القبور بهذه الأعذار الشيطانية.
ولذلك حكم أهل السنة على من يعتذر لهم بالضلال، قال العلامة عبد الله أبا بطين - رحمه الله -:
كل من فعل اليوم ذلك عند هذه المشاهد ، فهو مشرك كافر بلا شك ، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ؛ ونحن نعلم أن من فعل ذلك ممن ينتسب إلى الإسلام ، أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل ، فلو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد ، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ، لم يقدموا عليه ، فكفرهم جميع العلماء ، ولم يعذروهم بالجهل ، كما يقول بعض الضالين : إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال .
الدرر السنية [١٠/٤٠٥]

وسموه مرجيًا، سُئل شيخنا العلامة صالح الفوزان - وأنا أسمع -:
فضيلة الشيخ - وفقكم الله - يقول: هل كل من يعبد القبور ويكون من أهل القبور يعد كافرا بعينه؟
فأجاب: عندك شك في هذا، الذي يعبد القبور ما يكون كافرا، إذًا ما هو الشرك وما هو الكفر؟!!
هذه شبهة روجها في هذا الوقت المرجئة، روجها المرجئة، فلا تروج عليكم أبدا.أهـ)
من درس ليلة الأربعاء ٢٩ جمادى الأولى ١٤٣٤هـ

الوقفة الثالثة:
إن عباد القبور ينتسبون إلى الإسلام، فيعني ذلك لزوما أن بعثة النبيﷺ بلغتهم، والقرآن قد بلغهم، فكيف يكونون معذورين والله جعل الرسل والكتب حجة على الناس!
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ لِئَلّا يَكونَ لِلنّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزيزًا حَكيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]

وقال تعالى: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبعَثَ رَسولًا﴾ [الإسراء: ١٥]

وقال تعالى عن القرآن:
﴿قُل أَيُّ شَيءٍ أَكبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهيدٌ بَيني وَبَينَكُم وَأوحِيَ إِلَيَّ هذَا القُرآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُم لَتَشهَدونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخرى قُل لا أَشهَدُ قُل إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّني بَريءٌ مِمّا تُشرِكونَ﴾ [الأنعام: ١٩]

وقال تعالى:
﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنذَروا بِهِ وَلِيَعلَموا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]
وقال النبي : والقرآن حجة لك أو عليك.
أخرجه مسلم.

فالله جعل القرآن والرسل حجة على العالمين، فلا عذر بعدهما، ونُقل الإجماع على ذلك، قال العلامة ابن معمر - رحمه الله -: قد أجمع العلماء أن من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحجة عليه قائمة.
الدرر السنية [٧٢ / ١١]
ونقل الإجماع غيره من أهل العلم.

ولكن المرجئة يحادون الله ورسوله، ويخالفون الإجماع، ويقولون: لابد من التبيين، وتوضيح المبين!
وكأن القرآن ألغاز وأحاجي!
نعوذ بالله من الخذلان.
وكما قال حمَّاد بن زيد - رحمه الله - عن الجمهية:
إنما يدور كلام الجهمية على أن يقولوا: ليس في السماء شيء.أهـ)

أقول: وكلام مرجئة عصرنا عاذري عبَّاد القبور يدور على أن القرآن ليس حجةً ولا بيانًا ولا نذيرًا.
نعوذ بالله من حالهم.

والقرآن كما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره.أهـ)
وهذا الأثر ذكره ابن جرير في مقدمة تفسيره [١ / ٣٤ط: الحلبي]
 وتناقله المفسرون في تفاسيرهم.

قال الزركشي في البرهان شارحًا هذا الأثر:
(..وأما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تبادر إلى الأفهام معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم أنه مراد الله تعالى، فهذا القسم لا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ـ أنه لا شريك له في الألوهية وإن لم يعلم أن لا موضوعة في اللغة للنفي، وإلا موضوعة للإثبات وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر..)

الوقفة الرابعة:
إن الريس مكثرٌ من ترديد هذه المسألة، وهي شغله الشاغل، فما إن ينزل في مكان غالبًا إلا فرّق أهله، وشتت شمله، وأضعف الدعوة السلفية بسبب شبهاته وإرجائه.
فياليته عظّم التوحيد حق التعظيم، وجمع الناس عليه، وكفى الناس من شر تقريراته التي فرّقت الجموع، وشتت الجهود.
والله المستعان.



الوقفة الخامسة:
إن من نتيجة هذه التقريرات الإرجائية:
١- هدم التوحيد، إذ إن تكفير الكافر شطر كلمة التوحيد، وعدم تكفير الكافر هدم لهذه الكلمة.
٢- عدم الكفر بالطاغوت الذي هو شطر كلمة التوحيد على الوجه الذي أراده الله من عباده.
٣- هدم عقيدة الولاء والبراء، لأن عدم تكفير المشرك عابد القبر يلزم منه شيء من الولاء لأنه مسلم عندهم، ويلزم منه شيء من البراء للسني الذي يُكفّر عابد القبر، كما هو الحاصل من تبديع المرجئة لأهل السنة، وتسميتهم حدادية وخوراج..الخ)
فتبًّا لمذهب يُقرّب المشركين، ويُبعد السلفيين الموحدين! فحقًا إن المرجئة: مجادلون عن عباد القبور.
ولذلك ألفّ العلامة أبابطين كتابه سماه: "الانتصار لحزب الله الموحدين، والرد على المجادل عن المشركين."
ولكل قوم وارث، فهؤلاء المرجئة يرددون شبهات أعداء الدعوة ابن جرجيس وابن منصور وأمثالهم!!
٤- أنها اعتراض على قدر الله وحكمته، فالله قسم الخلق قسمين إلى كافر ومؤمن، فالمؤمنون كتب لهم الهداية فضلا، والكافرون حقت عليهم الضلالة عدلا، والمرجئة اعترضوا على حكمة الله وقدره، فجعلوا أهل الضلالة أهلا للهداية!
تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

فنعوذ بالله من الخذلان، ومن الخيبة والخسران، ونسأله الثبات حتى نلقاه.
وإني أدعو الريس وأمثاله ممن جعلوا حياتهم منافحةً عن عباد القبور، وزنادقة العصور، أن يتوبوا لربهم، ويرجعوا عن قولهم، قبل حلول الأجل، وفوات الأمل، وعندها لات حين مندم.

اللهم أحيينا على التوحيد والسنة، واقبضنا على التوحيد والسنة، هذا آخر البيان والحمد لله رب العالمين.

كتبه: مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
الاثنين ٢٢ / ٥ / ١٤٤٠هـ

السبت، 19 يناير 2019

الفوائد المختارات، من شرح ابن تيمية لحديث: "إنما الأعمال بالنيات".







الحمد لله الذي أمرنا بإخلاص النية والتوحيد، وأرسل رسوله بالنهي عن الشرك والتنديد.
أما بعد:
فإن من أجلِّ القربات، وأعظم الطاعات، التفقه في دين الله، ففيه الفضل العظيم، والخير العميم، "فمن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين"؛ ومن الفقه في دين الله: الفقه في أحاديث رسول الله، ومعرفة الطريق الذي به يكون التفقه فيها، وذلك بالاطلاع على شروح أئمة الهدى، وأنوار الدجى، الذين عرفوا بالعلم الصحيح، والفهم السليم، وطول الباع، وسعة الاطلاع، ومعرفة الخلاف والإجماع، ومنهم: شيخ الإسلام، ناصر السنة، غصة حلوق أهل البدعة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، فهو الإمام الفقيه، والمحدث المفسر، المتفنن في علوم الدين، المجتهد الذي ملأ الدنيا علمًا، وأفاض من خير مارزقه الله فهمًا، فلذلك كانت شروحه محل اهتمام العلماء، واختياراته مكان عناية الفقهاء.
وشيخ الإسلام قد اعتنى بشروح بعض الأحاديث مفردة، لجليل قدرها، وعظيم فوائدها، ومنها شرحه لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" فقد أفرده بالشرح والإفادة.
ومن هذا المنطلق جمعتُ فوائد من شرحه لحديث "إنما الأعمال بالنيات"، لينتشر فضلها، ويعم خيرها، ولا تكفي هذه الفوائد عن الرجوع للشرح، ففيه فوائد لا يسع الاختصار ذكرها، وتأصيلات لا ينبغي إلا الرجوع لأصلها.
وقبل ذكر الفوائد هذه مقدمة عن الحديث وشروحه مما ذكره محقق الرسالة الشيخ محمد عزيز شمس مختصرًا:
أولًا:  هذه النسخة فريدة بخط المؤلف.

ثانيًا:هذا الشرح قد طبع في طبعة سابقة حققها الشيخ محمد منير الدمشقي وعليها اعتمد في مجموع الفتاوى وفيها نقص وتحريف.
وقد نفى الدمشقي في طبعته كون المقدمة للشرح من كلام شيخ الإسلام للتسجيع الذي فيها، ونسبها لأحد طلابه، ولكن المحقق محمد عزيز شمس أثبتها لشيخ الإسلام لأنها بخط يده كما في هذه المخطوطة التي اعتمد عليها في هذا الكتاب.

ثالثًا:هذا الحديث اعتنى بشرحه العلماء، إما بكونه داخلًا في أحد المتون العلمية، وإما بإفراده بالشرح، كما فعل ذلك جملة من العلماء، ذكر المحقق أربعة وعشرين شرحا مفردًا له، ستة عشر شرحا ذكرها مذكورة في كتاب: (التعريف بما أفرد من الأحاديث بالتصنيف) للأستاذ يوسف العتيق، وزاد المحقق ثمانية شروح لم يذكرها العتيق.
رابعًا: ذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية شرح شيخ الإسلام لهذا الحديث.


وإليك أيها القارئ الكريم، هذه الفوائد المجموعة التي كتبتُها بنص كلام المؤلف، وقد أختصر وأتصرف بما لا يغيّر المعنى، لضرورة الاختصار .

الفائدة الأولى:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فهذه الثلاث هي من أعماله الباقية بعد ميتته، بخلاف ما ينفعه من غير هذه الثلاث، كدعاء من يدعو له ويبذل عنه شيئًا من عتقه وصدقته، فإن ذلك ليس من سعي الميت بل ينفعه الله به كما ينفعه بدعاء نبيه وشفاعته، وكما يُلحق بالمؤمن من يدخله الجنة من ذريته.
ص ١٧

الفائدة الثانية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأصل العمل الصالح هو إخلاص العبد في نيته، فإن الله أرسل الرسل وأنزل الكتاب ليعبد الله وحده، فإنه إنما خلق الجن والإنس لعبادته.
ص ١٧

الفائدة الثالثة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولما كانت النية أساس الأعمال كان السلف يستحبون أن يستفتحوا بها مجالسهم وكتبهم وغير ذلك؛ ويستحبون الاستفتاح بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" في أول الأمر وبدايته، فنجري في ذلك على منهاجهم إذ كانوا أفضل جيش الإسلام ومقدمته.
ص ١٨

الفائدة الرابعة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث "إنما الأعمال بالنيات" :
هذا حديث صحيح متفق على صحته، تلقَّتْه الأمة بالقبول والتصديق مع أنه من غرائب الصحيح، فإنه وإن كان قد رُوِي عن النبي من طرق متعددة كما جمعها ابن منده وغيره من الحفاظ، فأهل الحديث متفقون على أنه لم يصح منها إلا حديث عمر بن الخطاب هذا، ولم يروه عن عمر بن الخطاب إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولا عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة.
ورواه عن يحيى بن سعيد أئمة الإسلام، يقال: إنه رواه عنه نحو من مئتي عالم.)

فائدة:
قال المحقق: حكى محمد بن علي بن سعيد النقاش الحافظ أنه رواه عن يحيى مئتان وخمسون نفسًا، كما في فتح الباري: ١ / ١١
نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٧٦ - ٤٨١ عن ابن منده أسماء الذين رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد فبلغ ٣٣٧ شخصًا.
ص ١٩ - ٢٠ مع الهامش.

الفائدة الخامسة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولهذا الحديث نظائر من غرائب الصحاح، مثل حديث ابن عمر عن النبي أنه نهى عن بيع الولاء وهبته، أخرجاه في الصحيحين، قالوا: تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
ومثل حديث أنس عن النبي أنه دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فقيل: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال:  اقتلوه. أخرجاه في الصحيحين. قالوا: تفرد به الزهري عن أنس، وقيل: تفرد به مالك عن الزهري، وقيل: تابعه عليه غيره.)

فائدة:
قال المحقق: تابع مالكًا أكثر من ستة عشر شخصًا ذكرهم الحافظ في الفتح: ٦٠/٤ ولكن ليس من طرقه على شرط الصحيح إلا طريق مالك.
ص ٢٠ - ٢١ مع الهامش.

الفائدة السادسة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والحديث الغريب في اصطلاح أهل الحديث ما انفرد به واحد، وقد يكون غريب المتن، وقد يكون غريب الإسناد، مثل أن يكون متنه صحيحًا من طريق معروفة، وقد رُوِي من طرق أخرى غريبة.
ص ٢١

الفائدة السابعة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والأحاديث الغرائب منها ماهو صحيح، وغالبها غير صحيح، كما قال الإمام أحمد: "اتقوا هذه الغرائب، فإن عامتها عن الكذابين."
ولهذا يقول الترمذي في بعض الأحاديث: إنه غريب من هذا الوجه.
ص ٢١ - ٢٢

الفائدة الثامنة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والترمذي أول من قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، هذا التقسيم لم يُعرف قبله عن أحد من علماء الحديث، لكن كانوا يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف، كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف؛ والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يُحتج به، وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي، والثاني ضعيف يُحتج به، وهو الحسن في اصطلاح الترمذي.
كما أن ضعف المرض عند الفقهاء نوعان: نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث، كما إذا صار صاحب فراش، وضعفٌ يكون تبرعات صاحبه من رأس المال، كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه.
ص٢٢

الفائدة التاسعة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولهذا يوجد في كلام الإمام أحمد وغيره من العلماء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف، كحديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري وغيرهما، فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفًا هو أرفع من كثيرٍ من الحسن، بل هو مما يجعله كثيرٌ من الناس صحيحًا.
والترمذي قد فسّر مراده بالحسن أنه ما تعددت طرقه، ولم يكن فيه متهم، ولم يكن شاذًّا.
ص ٢٢ - ٢٣

الفائدة العاشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والمعنى الذي دلَّ عليه هذا الحديث -(إنما الأعمال بالنيات) - أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أصل كل عمل من الدين، ولهذا كانوا يقولون: مدار الإسلام على أحاديث يجعلون هذا منها، كقول الإمام أحمد: الإسلام يدور على ثلاثة أحاديث: (إنما الأعمال بالنيات)، (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، (الحلال بيّن والحرام بيّن).
ووجه هذا الحصر أن الدين فعل ما أمر الله به وترك مانهى الله عنه، فحديث الحلال والحرام فيه بيان مانهى الله عنه، والذي أمر الله به نوعان: أحدهما العمل الظاهر وهو ماكان واجبًا أو مستحبًّا، والثاني العمل الباطن وهو إخلاص الدين لله، فقوله: "من عملا عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب أو أمر استحباب، وقوله: " إنما الأعمال بالنيات" يبيّن العمل الباطن، وأن التقرب إلى الله إنما يكون بإخلاص الدين لله.
٢٣ -٢٤ باختصار يسير.

الفائدة الحادية عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لفظ " النية" في لغة العرب من جنس لفظ القصد والإرادة ونحو ذلك؛ كما تقول العرب: نواك الله بخير، أي: أرادك بخير.
والنية يُعبّر بها عن نوع من الإرادة، ويُعبّر بها عن نفس المراد، كقول العرب: هذه نيتي، يعني هذه البقعة هي التي نويت إتيانها.
لكن بعض الناس من يقول: إنها أخص من الإرادة، فإن إرادة الإنسان تتعلق بعمله وعمل غيره، والنية لا تكون إلا لعمله، فإنك تقول: أردتُّ من فلان كذا، ولا تقول: نويت من فلان كذلك.
٢٥ - ٢٦ باختصار.

الفائدة الثانية عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد تنازع الناس في قوله: " إنما الأعمال بالنيات": هل فيه إضمار أو تخصيص؟ أو هو على ظاهره وعمومه؟
فذهب طائفة من المتأخرين إلى الأول، قالوا: لأن المراد بالنيات النياتُ الشرعية التي تجب أو تستحب، والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات، كقضاء الحقوق الواجبة، فتبرأ الذمة وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية.
ثم قال بعض هؤلاء: تقديره: إنما ثواب الأعمال، أو إنما تقبل الأعمال، أو إنما الأعمال الشرعية، أو إنما صحة الأعمال الشرعية، أو إنما إجزاؤها، ونحو ذلك.
وقال الجمهور: بل الحديث على ظاهره وعمومه، فإنه لم يُرد بالنيات في هذا الحديث النية الصالحة وحدها، بل أراد النية المحمودة والمذمومة، لأنه ذكر في الحديث النية المحمودة بالهجرة إليه، والمذمومة بالهجرة إلى امرأة أو مال.
ص ٢٦ - ٢٧ باختصار وتصرف.

الفائدة الثالثة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد رُوِي أن سبب هذا الحديث: أن رجلًا كان قد هاجر من مكة إلى المدينة لأجل امرأة يُحبّها اسمها أم قيس، وكانت هجرته لأجلها، فكان يُسمّى مهاجر أم قيس، ولهذا ذكر النبي في هذا الحديث: "ومن كانت هجرته إلى دنيا أو امرأة " فخصّ المرأة بالذكر لاقتضاء سبب الحديث لذلك.
والسبب الذي خرج عليه اللفظ العام لا يجوز إخراجه منه باتفاق الناس.
ص٢٨
قلتُ: قصة مهاجر أم قيس ثابتة، ولكن هل هي سبب ورود هذا الحديث؟
اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال بأنه سبب ورود هذا الحديث ومنهم ابن دقيق العيد، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في هذا الموضع ومواضع أخر، وغيرهما من أهل العلم.
وذهب بعضهم إلى أنها ليست سبب ورود الحديث لأن روايات الحديث بمجموعها لم يُذْكر فيها هذه القصة، وذهب لهذا ابن رجب، وكذلك ابن حجر، وغيرهما، والله أعلم.

الفائدة الرابعة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والهجرة في الظاهر هي: سفر من مكان إلى مكان، والسفر جنس تحته أنواع مختلفة تختلف باختلاف نية صاحبه، فقد يكون سفرًا واجبًا كسفر الحج والجهاد المتعين، وقد يكون محرمًا كسفر العادي يقطع الطريق والباغي والعبد الآبق والمرأة الناشز.
ولهذا تكلم الفقهاء في الفرق بين العاصي بسفره والعاصي في سفره، فإن سافر سفرًا مباحًا جاز له فيه القصر والفطر باتفاق الأئمة الأربعة وإن عصى في السفر، وأما إذا كان عاصيًا بسفره كالمسافر لقطع الطريق ففيه نزاع معروف؛ فمذهب مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز له القصر والفطر، ومذهب أبي حنيفة يجوز له ذلك.
ص ٢٨ - ٢٩ باختصار وتصرف يسير.

الفائدة الخامسة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وهذا الحديث - "إنما الأعمال بالنيات" - من أجمع الكلم الجوامع التي بُعِث بها ﷺ، فإن كل عمل يعمله عامل هو بحسب مانواه، فإن قصد بعلمه مقصودًا حسنًا كان له ذلك المقصود الحسن، وإن قصد به سيّئًا كان له مانواه.
ص ٢٩

الفائدة السادسة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولفظ النية يُراد بها النوع من المصدر، ويُراد بها المنوي، واستعمالها في هذا لعله أغلب في كلام العرب، فيكون المراد: إنما الأعمال بحسب مانواه العامل، أي: بحسب منْويِّه؛ ولذلك قال ﷺ في تمامه: " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" فذكر ماينويه العامل ويريده بالعمل، وهو الغاية المطلوبة له؛ فإن كل متحرك بالإرادة لابدّ له من مراد.
ص ٢٩ - ٣٠

الفائدة السابعة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولفظ النية يجري في كلام العلماء على نوعين: فتارةً يريدون بها تمييز عمل عن عمل، وعبادة عن عبادة، وتارةً يريدون بها تمييز معبود عن معبود، ومعمول له عن معمول له.
فالأول: كتكلم العلماء في النية هل هي شرط في طهارة الأحداث.
والثاني: كالتمييز بين أهل الإخلاص لله وأهل الرياء والسمعة.
ص ٣٠ - ٣١ باختصار يسير.

الفائدة الثامنة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة والصيام والحج لا تصح إلا بنية؛ وتنازعوا في الطهارة، مثل من يكون عليه جنابة فينساها ويغتسل للنظافة، فقال مالك والشافعي وأحمد: النية شرط لطهارة الأحداث كلها، وقال أبو حنيفة: لا تُشترط في الطهارة بالماء بخلاف التيمم.
وقال زفر لا تُشترط لا في هذا ولا في هذا.
ص ٣٢ - ٣٣

الفائدة التاسعة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد: تُشترط (النية) لإزالة النجاسة، لكن هذا قولٌ شاذ؛ فإن إزالة النجاسة لا يُشترط لها عمل العبد، بل تزول بالمطر النازل، والنهر الجاري، ونحو ذلك؛ فكيف يُشترط لها النية؟!!
وأيضا فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال، ولهذا لو لم يخطر بقلبه في الصلاة أنه مجتنب للنجاسة صحت صلاته إذا كان مجتنبًا لها، لهذا قال مالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه: إنه لو صلى وعليه نجاسة لم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم يُعد.
ص ٣٣

الفائدة العشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فمن فعل مانُهِيَ عنه ناسيًا أو مخطئًا فلا إثم عليه، بخلاف من ترك ما أُمِر به، كمن ترك الصلاة ناسيًا فلا بدّ من قضائها
ص ٣٣ - ٣٤

قلتُ: هذه قاعدة عند الفقهاء، يقولون:
العذر في المنهيات لا المأمورات.

الفائدة الواحدة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الوضوء هل يقع غير عبادة؟
الجمهور يحتجون بالنصوص الواردة في ثواب المتوضئ؛ كقولهﷺ: "إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء" ، وأمثال ذلك، فيقولون: كل وضوء ففيه ثواب لعموم النصوص، والثواب لا يكون إلا مع النية.
وأبو حنيفة يقول: الطهارة شرط من شرائط الصلاة، فلا تشترط لها النية كاللباس وإزالة النجاسة، والجمهور يقولون: اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة، ولهذا لم يرد نص بالثواب على جنس اللباس والإزالة، ووردت في جنس الوضوء.
ويقول أبو حنيفة: النصوص وردت في الوضوء المعتاد، وعامة المسلمين يتوضؤون بالنية، والوضوء الخالي عن النية نادر لا يقع إلا مثل التعليم ونحوه؛
والجمهور يقولون: هذا الوضوء الذي اعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعي الذي تصح به الصلاة، وما سوى ذلك لا يدخل في نصوص الشارع.
ص٣٤ - ٣٥ باختصار وتصرف يسير.

الفائدة الثانية والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأما النية التي هي إخلاص الدين لله فقد تكلّم الناس في حدّها وفي حدّ الإخلاص، وكلامهم يتضمن الإخلاص في كل الأعمال.
ص ٣٥ - ٣٦ باختصار وتصرف يسير.

الفائدة الثالثة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن لم يصلِّ إلا بوضوء واغتسال، فإنه لا يفعل ذلك إلا لله، ولهذا قال ﷺ فيما رواه أحمد وابن ماجه عن ثوبان عن النبيﷺ: "ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"؛ فإن الوضوء سرٌّ بين العبد وبين الله، وقد ينتقض وضوؤه ولا يدري به أحد؛ فإذا حافظ عليه فلم يحافظ عليه إلا لله، ومن كان كذلك لم يكن إلا مؤمنًا.
ص ٣٦ - ٣٧ بتصرف يسير.

الفائدة الرابعة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والإخلاص في النفع المتعدي أقلُّ منه في العبادات البدنية.
ص ٣٧

الفائدة الخامسة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
النية محلها القلب باتفاق العلماء، فلو نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم.
ص ٣٨

الفائدة السادسة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد خرّج بعض أصحاب الشافعي وجهًا من كلامٍ للشافعي غَلِط فيه عليه، فإن الشافعي ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن الصلاة في أولها كلام، فظنَّ بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية، وإنما أراد التكبير.
ص ٣٩

الفائدة السابعة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والنية تتبع العلم، فمن علم ما يريد أن يفعله فلا بدّ أن ينويه ضرورة، كمن قُدّم بين يديه طعام ليأكله، فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بدّ أن ينويه؛ وإنما يُتصوّر عدم النية إذا لم يعلم ما يريد، مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة.
ص ٣٩ باختصار

الفائدة الثامنة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لو تكلّم بلسانه بشيء وفي قلبه خلافه كانت العبرة بما نواه لا بما لفظه.
ص ٣٩

الفائدة التاسعة والعشرون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
النية مع العلم في غاية اليسر، لا تحتاج إلى وسوسة، ولهذا قال بعض العلماء: الوسوسة إنما تحصل من جهل بالشرع أو خبل بالعقل.
ص ٣٩

الفائدة الثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد تنازع الناس: هل يستحب التلفظ بالنية؟ فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب ليكون أبلغ؛ وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد: لا يُستحب، بل هو بدعة؛ فإن النبي وأصحابه لم ينقل عن أحد منهم أنه تكلم بلفظ نية؛ ولأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورةً؛ فالتكلم بها نوع من العبث والهذيان.
ص ٣٩ - ٤٠ باختصار.

الفائدة الواحدة والثلاثون:
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
واتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية، لا لإمام ولا مأموم ولا منفرد، ولا يستحب تكريرها، وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سرًا: هل يكره أو يستحب.
ص ٤٠


الفائدة الثانية والثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
حكى الإجماع على عدم نبوة أحد من النساء: القاضي أبو بكر ابن الطيب، والقاضي أبو يعلى، والاستاذ أبو المعالي الجويني.
ص ٤٣ - ٤٤

الفائدة الثالثة والثلاثون:
قال تعالى:
﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلّا رَسولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن ماتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلى أَعقابِكُم﴾
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أي ليس مخلدًا في الدنيا لا يموت ولا يُقتل، بل يجوز عليه ماجاز على إخوانه المرسلين من الموت والقتل.
ونزلت يوم أحد لما قيل: إنه قُتِل، وتلاها الصديق يوم مات الرسول.
ص ٤٤ باختصار.

الفائدة الرابعة والثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
إذا ترك الإنسان بعض واجبات العبادة، هل يقال: بطلت كلها فلا ثواب له عليها؟ أم يقال: يُثاب على مافعله ويعاقب على ماتركه، وهل عليه إعادة ذلك؟
هذا يكون حسب الأدلة الشرعية، فمن الواجبات في العبادة ما لا تبطل العبادة بتركه ولا إعادة عليه، بل يُجبر المتروك، كالواجبات في الحج التي ليست أركانًا، وكذلك الصلاة عند الجمهور فيها واجب لا تبطل بتركه عندهم.
ولكن مالك وأحمد يقولان: إذا تركه سهوا يسجد للسهو، وإذا عمدًا بطلت.
وأما أبو حنيفة فيقول: من ترك واجبا ليس فرضا عمدًا فقد أساء ولا إعادة عليه.
والجمهور يقولون له: لا نعهد في العبادات واجبًا يترك فيها من غير بدل ولا إعادة عليه!
ومع هذا اتفقت الأئمة على أن من ترك واجبًا في الحج ليس بركنٍ ولم يجبره بدم، لم يبطل حجه ولا تحب إعادته.
ص ٤٧ - ٤٨ بتصرف واختصار

الفائدة الخامسة والثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث: إن من ترك واجبا من الإيمان الذي لا يُناقض أصول الإيمان فعليه أن يجبر إيمانه، إما بالتوبة وإما بالحسنات المكفرة، فالكبائر يتوب منها، والصغائر تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم يفعل لم يحبط إيمانه.
وأصلهم أن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه، وأن الإيمان يتفاضل.
ص ٤٩ باختصار وتصرف يسير.

الفائدة السادسة والثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
متى ثبت في القلب التصديق بما أخبر به الرسول وحب الله ورسوله، وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة، فإنه ما أسر أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فلا تستقر في القلب معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثرٌ في الظاهر.
ص ٥٢

الفائدة السابعة والثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لفظ الإيمان تختلف دلالته بالاطلاق والاقتران، فإذا ذُكر مع العمل أُريد به أصلُ الإيمان المقتضي للعمل، وإذا ذُكر وحده دخلت فيه لوازم ذلك الأصل، وكذلك إذا ذُكر بدون الإسلام كان الإسلام جزءًا منه؛ وكان كل مسلم مؤمنًا؛ وإذا ذُكر لفظ الإسلام والإيمان تميّز أحدهما عن الآخر.
ص ٥٥

الفائدة الثامنة والثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكثيرٌ من منازعات الناس في مسائل الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام منازعات لفظية، فإذا فُصِل الخطاب زال الارتياب.
ص٦٠

الفائدة التاسعة والثلاثون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قولهﷺ: " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" ليس هو تحصيلًا للحاصل، لكنه إخبار بأن من نوى بعمله شيئًا فقد حصل له مانواه؛ أي: من قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ماقصده، ومن كان قصده الهجرة إلى دنيا أو امرأة فذلك هو الذي حصل له؛ فهذا تفصيل لقوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، لمَّا أخبر أن لكل امرئ مانواه ذكر أن لهذا مانواه ولهذا مانواه.
ص ٦٠


الفائدة الأربعون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد قالﷺ: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"، وقال: " لا تنقطع ما قُوتل العدو" ، وكلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه، وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فهي مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار حرب وكفر، والإيمان بالمدينة، فلما فُتحت مكة وصارت دار إسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار إسلام.
ص ٦٠ باختصار.

الفائدة الواحدة والأربعون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكون الأرض دار كفر أو دار إيمان أو دار فاسقين أو مؤمنين ليست صفةً لازمةً لأرض بعينها، بل هي صفة عارضة بحسب سكّانها، فكل أرض سكنها المؤمنون المتقون فهي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكنها الكفّار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكنها الفاسقون فهي دار الفاسقين في ذلك الوقت.
ص ٦٤

الفائدة الثانية والأربعون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
مكة لما كانت دار كفر هي في نفسها خير أرض الله، وأحب أرضٍ إلى الله، وإن كان سكانها إذ ذاك كفّارا.
وكان مقامه ﷺ ومقام من معه بالمدينة أفضل من مقامهم بمكة، لأجل الهجرة والجهاد، ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من المقام بمكة والمدينة.
ص ٦٤ - ٦٥ بتصرف واختصار.

الفائدة الثالثة والأربعون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوع لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولما كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلمّ إلى الأرض المقدسة، كتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدّس أحدًا، وإنما يُقدّس الرجلَ عملُه.

الفائدة الرابعة والأربعون:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فأحوال البلاد كأحوال العباد، والرجل تارة مسلمًا وتارة كافرًا، وتارةً مؤمنًا وتارةً منافقًا، وتارةً بَرًّا وتارةً فاجرًا؛ وهكذا المساكن.
ص ٦٦


الفائدة الخامسة والأربعون:
قال تعالى:﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذينَ هاجَروا مِن بَعدِ ما فُتِنوا ثُمَّ جاهَدوا وَصَبَروا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِها لَغَفورٌ رَحيمٌ﴾
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه، ثم هجر السيئات وجاهد وصبر.
ص ٦٦

هذه آخر الفوائد المجموعة، من هذا الشرح النفيس، الذي أسأل الله أن يغفر ويرفع درجة صاحبه، وكل من أعان على إخراجه ونشره، وكل من قرأ واطلع، وجميع المسلمين؛ والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعه إلى يوم الدين.

وكتبه:
مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
ضحى السبت ١٣ جمادى الأولى ١٤٤٠هـ