الاثنين، 30 يوليو 2018

عزو الأحاديث في خطبة الجمعة ليس أمرًا محدثًا.


عزو الأحاديث في خطبة الجمعة ليس أمرًا محدثًا.
مقالٌ مختصرٌ في الرد على مقطعٍ منتشرٍ للشيخ صالح العصيمي.


أما بعد:

فقد استمعتُ لمقطعٍ للشيخ صالح بن عبد الله العصيمي - وفقه الله للخير والسداد - يُنكر فيه عزوَ الخطباء الأحاديث في خطبة الجمعة، وجعله أمرًا مُحدثًا!
والمقطع عليه ملاحظات، ولي معه وقفات، وقد كتبتُ ردًّا قصيرًا عليه في مجموعة علمية، ولكن عندما رأيتُ انتشاره، وعنونته بـ(فائدة نفيسة)، (وفائدة عزيزة)، ونحو هذه العبارات، عزمتُ على تعزيز الرد، ونقل بعض الأدلة والآثار، وبيان الصواب، سائلًا من الله التوفيق والسداد، والهدى والرشاد، فأقول:
الوقفة الأولى:
إنَّ من واجب أهل العلم البيان، ورد الخطأ على من جاء به كائنا من كان، من أجل حفظ الدين، وخروجًا من معرة الكتمان، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذينَ يَكتُمونَ ما أَنزَلنا مِنَ البَيِّناتِ وَالهُدى مِن بَعدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الكِتابِ أُولئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلعَنُهُمُ اللّاعِنونَ﴾
وقال تعالى:
﴿وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكتُمونَهُ فَنَبَذوهُ وَراءَ ظُهورِهِم وَاشتَرَوا بِهِ ثَمَنًا قَليلًا فَبِئسَ ما يَشتَرونَ﴾
فردُّ الخطأ واجبٌ كفائيٌ إذا لم يقم به أحدٌ أثم الجميع؛ ومن هذا المنطلق كان هذا الردُّ على المقطع المنتشر.

الوقفة الثانية: العزو من الدين لأنه داخل في عموم قول ابن المبارك - رحمه الله -: (الإسناد من الدين)
أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح.
فعزو الأحاديث إلى مصادرها، عزو إلى الإسناد، والإسناد من الدين.
وعلى هذا: فالعزو تعزيز للخطبة، وتقوية للحجة، وحفظ للدين.

الوقفة الثالثة: العزو فيه طمأنينة للسامع بثبوت الحديث، إذ إن الأحاديث فيها الصحيح والضعيف، وفي الزمن المعاصر تتأكد أهمية العزو، لكثرة الكذب في الأحاديث والروايات والعزو.

الوقفة الرابعة: قياس عدم ذكر عزو الآيات على عدم عزو الأحاديث قياس مع الفارق!
فالآيات سواء في الخطب وغيرها، قليل عزوها للسور فضلا عن القراءات، إذ إنها قطعية الثبوت تواترًا، بعكس الأحاديث ففيها الصحيح والضعيف.

الوقفة الخامسة: الحكم بأن العزو محدث، جرأة كبيرة جدًا على الخطباء والعلماء الذين يعزون هذه الأحاديث إلى مصادرها، بل جرأة على السلف الذين عزو الأحاديث في خطبة الجمعة، وأذكر مثالين يتضح بها الحكم:
أولها: (حديث عبد الله بن يزيد قال: حدثني البراء وهو غير كذوب)
وهذا الحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي
وجاء التصريح في روايات الحديث بأنه قال ذلك على المنبر وهو يخطب.

- فعند أحمد: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ يَخْطُبُ، فَقَالَ : أَخْبَرَنَا الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ -.....الحديث)

وعند البخاري: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ ، وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ ....الحديث)

وعند مسلم: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ : حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ......الحديث)

وعند أبي داود: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ يَخْطُبُ النَّاسَ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - .....الحديث)


وعند النسائي: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ - وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ -....الحديث)

ثانيها: (ماجاء في المسند أن خالدا القسري قال على المنبر: حدثني أبي عن جدي)
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ أَبُو جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ ، أَنَّهُ سَمِعَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ ، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ..... الحديث)

وهذا لاشك نوعٌ من العزو، ولم يقولوا مباشرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فإن قيل: هذا إسناد، قلنا : الإسناد أطول من العزو ومع ذلك ذكروه في الخطبة، والعزو هو دلالة على الإسناد وهو أخصر، فمن باب أولى يُذكر ولا يُنكر.

الوقفة السادسة: إن ألفاظ الخطبة ليست توقيفية حتى يقال لا تقولوا: كذا وكذا، بل إن الخطبة مجالها واسع، والمهم الإفادة والنفع، وحتى الفقهاء عندما اشترطوا شروطًا، وذكروا سننا وآدابًا، لم يخصصوا ألفاظًا معينة تعبدية لا يجوز تغييرها!
فتشرح في الخطبة حديثا، وتفسر آية، وتذكر أحكامًا، وتعظ قلوبًا، وتأمر بمعروفٍ، وتنهى عن منكر، إلى غير ذلك من الكلام المفيد النافع.

الوقفة السابعة: قوله: إن العزو لم يكن موجودًا من القرن الخامس! يُردُّ عليه من وجوه:
أولها: هل يجزم يقينًا أنه وسع خطبهم إحاطةً حتى يجزم بما قال؟!!!

ثانيًا: لو صح تنزلًا هل يستطيع إثبات أنهم يفعلون ذلك تعبدًا ومن خالفهم وقع في بدعة؟!!!
الثالث: إن الاستدلال بما كان عليه أهل القرون المفضلة من الإسناد في الخطبة من غير نكيرٍ يُبطل الاحتجاج بما فعله أهل القرون المتأخرة - لو تنزلنا أنهم لا يعزون في الخطب - إذ إن الخيرية في السلف وفعلهم، وليس في فعل الخلف.

الوقفة الثامنة:
إن مشايخنا لازالوا يعزون في الخطب دون نكير، بل لا وجه للإنكار.
وأذكر على سبيل المثال لا الحصر:
شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -
والشيخ الفقيه الإمام محمد الصالح العثيمين - رحمه الله -.
وهذا مثالٌ واحدٌ لكلٍ منهما:

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في الخطب المنبرية، كما في خطبته: (الحث على الحج):
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "من قدر على الحج فتركه فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" أخرجه الترمذي بلفظ: عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج , فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ... ")

وقال الشيخ العلامة العثيمين - رحمه الله - في أول خطب كتابه الضياء اللامع من الخطب الجوامع:
"وفي مسند الإمام أحمد عن قبيصة رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاء بك؟ فقلت: كبر سني، ورق عظمي، وأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به؛ فقال: يا قبيصة ما مررت بحجر ولا شجر ولا مدر إلا استغفر لك"

فهؤلاء الأئمة يعزون في خطبهم، فهل جاؤوا بشيءٍ محدث؟!!!
وأين الإحداث في رجل يقول في خطبة الجمعة: أخرجه البخاري وأخرجه مسلم؟!!!!!
بل لو جاء بِذِكرِ حُكْمٍ لعالمٍ معتبرٍ على حديث لا نكير.

الوقفة التاسعة: لم يسبق الشيخ العصيمي أحدٌ من أهل العلم فيما قال، مع وفرة العلماء وكثرتهم، وعزوهم في الخطب أو سماعهم  العزو من غيرهم مع عدم إنكارهم، فيكون كلامه هو المُحْدَث، وليس في فعل السلف والعلماء وعدم نكيرهم من عهد السلف إلى يومنا هذا إحداثٌ وابتداع.
وعليه: فليحذر كلٌ متكلمٍ من الكلام الجديد الذي لم يُسبق إليه، خاصة فيما يتعلق بالسنة والبدعة، فالأمر شديد وخطير.

وأخيرًا: نصيحة للإخوة الناشرين للمقطع، المدافعين عن محتواه، المجادلين عن خطئه: احذروا التسرع في نشر الغريب، وعليكم بالتحقيق والتدقيق، فلو راجعتم الشيخ أولى لكم من نشر هذا الكلام الذي اتضح خطؤه، والذي نرجو من الشيخ - وفقه الله - أن يرجع عنه، وليس في الرجوع غضاضة على مريد الحق.
قال الإمام ابن سحمان - رحمه الله -:
(وليس في الرجوع إلى الحق، غضاضة على مريد الحق والإنصاف.)
[ الدرر السنية ٣ / ٣٦٢ ]

والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: مبارك بن خليفة بن محمد العساف.
ليلة الجمعة ١٤ / ١١ / ١٤٣٩هـ
ورُتِب ونُقِح ليلة الاثنين١٧ / ١١ / ١٤٣٩ هـ